أبحاث ثقافي

أكيتو بريخو، حقائق تاريخية الدكتور جميل م. شاهين

single-image

أكيتو بريخو، حقائق تاريخية الدكتور جميل م. شاهين

يُحتفل في الأول من نيسان بما يُسمى اصطلاحاً، عيد رأس السنة السورية، وبمرور 6769 عاماً على بداية التقويم الذي يُمثلُ رأس السنة لدى السومريين والآكاديين والكلدانيين والآشوريين والسريان وغيرهم.

الاسم بالآرامية ܐܟܝܬܐ أكيتو. بالسومرية: أكيتي سنونم. بالآكادية: ريش شاتين. بالآشورية (الآرامية أيضاً): خا بنيسان ܚܕ ܒܢܝܣܢ، أي الأول من نيسان. بالبابلية القديمة ريش شاتم، أي رأس السنة.

تبدأ الاحتفالات في 1 نيسان وتستمر اثني عشر يوماً، نستعرضُ أصل الاحتفالات فيما بعد، مع حقائق تاريخية وعلمية حول هذا التاريخ والتقويم، قد تكون مُغايرة لما هو مُتعارفٌ عليه شعبياً.

تقويم أكيتو هو الأقدم عالمياً

تُستخدم كلمة أكيتو الآرامية ܐܟܝܬܐ (رأس السنة)، مرافقة لكلمة ܚܓܬܐ التي تُلفظ تبعاً للهجة الآرامية: (حِجتو) أو ܚܓܐ (حُج) وتعني الاحتفال، أخذها العرب عن الآرامية فأصبحت الحج.

لا يوجد اثباتٌ تاريخيّ لبداية الاحتفالات، لهذا رقم 6769 عاماً هو تقديري، حسب رأي مركز فيريل، كيف؟

أصل الاحتفالات كان ببداية فصل الربيع رمز الخير والعطاء واخضرار الأرض، قبل الميلاد بآلاف السنين في بلاد الرافدين.

أظهرت الاكتشافات الأثرية أنّ أول مستوطنة شكّلت مجتمعاً زراعياً متكاملاً في التاريخ كانت في جرمو Jarmo، حسب المُكتشف عالم الآثار الأميركي Robert John Braidwood، من جامعة Chicago  Oriental Institute عام 1940، وتقع شرقي كركوك شمال العراق، وتعود للعصر الحجري الحديث. تمّ تحديد العمر بواسطة carbon-14. عبدَ سكان جرمو آلهة الخصب Mother Goddess، آلهة الأم، حيثُ قُدّست المرأة الحامل بتماثيل ولقى أثرية. في الفترة الأخيرة انتقلوا لعبادة إله سنذكرهُ لاحقاً. وُجدت أيضاً في المنطقة آثار أكثر قِدماً تصل إلى 10200 سنة قبل الميلاد تمثلُ انتقال الإنسان من الصيد إلى تربية المواشي والزراعة، لكنها لم تكن مستوطنة كاملة وحدثت في العصر الحجري الجليدي.

مستوطنة جرمو استمرت حسب جامعة شيكاغو حتى 4950 قبل الميلاد، ولا يُنسبَ تأسيسها لأية قومية أو عرق أو حضارة معروفة. زرعَ سكانها القمح والشعير والبقوليات وربوا الأغنام والأبقار والخنازير والكلاب والدجاج، وكانوا يحتفلون مع بداية فصل الربيع ببدء الدفء وتفتح الأزهار وبدء مواسم الخير.

اللقى الأثرية للفترة الأخيرة أظهرت سيطرة قبائل على جرمو اتخذت من إله أسمته Ashur (آشور) والذي أصبح فيما بعد رئيس الآلهة عند الآشوريين، وينسبُ بعض المؤرخين لحاكم جرمو الخامس عشر “أشبويا” بناء هيكل لعبادة هذا الإله: “أنا الملك أشبويا بنيت هذا البيت للإله آشور”، وقد اعتمدوا سنة 4750 قبل الميلاد بداية الاحتفالات برأس السنة، وهنا تلاحظ أيها القارئ الواعي وجود فترة 150 عاماً غير مؤرخة، مما يضعُ الشكّ إمّا في هذا التاريخ، وهي ما بين تاريخ هجر جرمو وبدء التقويم المُعتمد، أو في تاريخ نهاية مستوطنة جرمو… لكن الثابت لدينا في مركز فيريل للدراسات أنّ الآشوريين قد بدأ ظهورهم قبل الفترة التي تحدّثت عنها كتب التاريخ المُستندة للروايات الدينية الواردة في التوراة. ونحن نستندُ عند الاختلاف إلى الحقائق العلمية أولاً.

هنا يبدأ الخلافُ بين نسب هذا العيد والتقويم للآشوريين أم للبابليين؟

قام الآشوريون حوالي 2100 قبل الميلاد، ببناء مدينة أسموها آشور ܐܫܘܪ تقع غرب جرمو على ضفة دجلة، وبنوا معبداً للإله آشور الذي يعني في اللغة الآشورية القديمة “آشارو” أي البدء لأنّ الإله باعتقادهم هو بداية كلّ شيء، كمعلومة سريعة: “يُعتبرُ الآشوريون القدماء أول مَن أشار إلى كون الإله غير مرئي، والذي يدل على ذلك أنّ عدداً من ملوكهم وكهنة المعابد كانوا يصلّون دون وجود تماثيل للآلهة”. من هنا  بدأ يأخذُ عيد رأس السنة 1 نيسان شكلهُ المعروف.

المُثبت تاريخياً وفقاً للألواح السومرية المسمارية والنصوص الموجودة التي عثر عليها في مدينتي أور وأوروك، وهي الآن في متحف لندن؛ بدأت الاحتفالات 3200 قبل الميلاد، أي نحنُ اليوم في السنة 5219 على الأقل، وعدد السنوات بالتأكيد أكبر لأن عمر الألواح هو تقديرات خبراء الآثار، والاحتفال برأس السنة كان قبل هذا التاريخ. بجميع الأحوال؛ يبقى رأس السنة أكيتو والتقويم السوري هو الأقدم عالمياً بما في ذلك التقويم الصيني أو الفرعوني. 

فرنسا أصل تحريف رأس السنة أكيتو

حتى عام 1564 للميلاد كان التقويم السوري مُعتمداً في معظم دول العالم. في فرنسا كانت الاحتفالات تبدأُ يومها في 21 آذار وتنتهي في 1 نيسان تماماً  كما كان الآشوريّون والبابليون يفعلون قبل آلاف السنين. في هذا العام أي 1564 تبنّى الملك الفرنسي Charles IX شارل التاسع التقويم الغريغوري الجديد، Gregorian calendar، الذي وضعهُ Pope Gregory XIII بابا الفاتيكان، فأصبحت الاحتفالات تبدأ في 25 كانون الأول وتنتهي في 1 كانون الثاني بداية السنة الجديدة. انتشر التقويم الغريغوري بين طبقات المجتمع الفرنسي الثرية وطبقة النبلاء، بينما استمر العامة بالاحتفال به في 1 نيسان، فراحوا يسخرون منهم ومِن كلّ مَن ظلّ يحتفلُ بالعيد القديم واصفين إيّاهم بالغباء لأنهم يُصدقون كذبة “أبريل” ليأخذ اسمه بعد انتقالهِ إلى انكلترا April Fools’ Day. بسبب ضعف ثقافة الشعوب بشكل عام، نسي الجميع رأس السنة أكيتو وراحوا يحتفلون بـ “الكذب”!

أصحابُ أكيتو توقفوا عن الاحتفال بعيدهم بينما استمر الآخرون!

استمرَ الاحتفال بعيدين رئيسيين هما زاكموك عيد “التمور” ويُعلنُ نهاية الصيف وبدء الخريف، وعيد أكيتو، في معظم المدن الآشورية والبابلية والكلدانية والسومرية والآرامية بفترات متعاقبة أو متوازنة، حتى ألغى احتفالاتِ زاكموك ملكُ بابل العظيم Hammurabi حمورابي حوالي 1790 قبل الميلاد، لتصبحَ طقوس هذا العيد أكثر تفصيلاً وشعبيةً وامتداداً.

في الامبراطورية الآشورية الحديثة 934 ق.م.، ملك العالم أو الفاتح العظيم كما لُقّبَ، آشوربانيبال Ashurbanipal حفيد الملك سنحريب، أضافَ لعيد أكيتو طقوساً أخرى حوالي 650 قبل الميلاد.

الفرس قاموا بتقليد الآشوريين والبابليين فأخذوا يحتفلون في 21 آذار بعيد أطلق عليه “النَّوْروز” وهي كلمة فارسية تعني: “نو” يوم و “روز” جديد، ويرمز لرأس السنة الفارسية. نُسبَ عيد النوروز إلى الملك “جمشيد” Jamshid  وهو شخصية اسطورية ضمن ملحمة الشاهنامة الفارسية الشهيرة. الساسانيّون في الإمبراطورية الفارسية الثانية اعتمدوا عيد النوروز كعيد قومي على يد الكاهن الزرادشتي Sasan المولود 224 بعد الميلاد.

الأمويّون واصلوا الاحتفال بعيد النوروز وقدّم الحجاج بن يوسف الثقفي الهدايا للفرس، لكن الخليفة عمر بن عبد العزيز ألغاه، ليعود العباسيّون إليه ويُطلقون اسم “الربيع الشامي”، ثم يتم منعه وتحريمه في العصور الإسلامية اللاحقة مع بعض الاستثناءات.

في مصر وُجدت، قبل ميلاد السيد المسيح، احتفالاتٌ مشابهة لأكيتو دُعيت نيارؤو أي عيد الأنهار ثم أصبحت Shemu، وترمز لبدء موسم الربيع وهي مهرجانات لعدة أيام تُقدّم فيها العطايا للآلهة، لكن لا يوجد تاريخٌ دقيق لبدئها.

نلفتُ الانتباه إلى أنه لا يوجد شيء اسمه “النيروز القبطي” وهذا خطأ شائع لدى العرب، فالكلمة القبطية (ني  يارؤو) أضاف عليها الإغريق حرف سي وعدّلوا من لفظها، حسب قواعدهم النحوية، ليصبح لفظها نيروس، العرب ظنّوها كلمة فارسية، علماً أنها موجودة في مصر قبل فارس بمئات السنين!.

لاحقاً اعتمدتها الكنيسة القبطية Coptic Orthodox Church وباتت ترمزُ لعيد القيامة “الفصح” ويكون في اليوم التالي لرأس السنة القبطية، حيث يُحتفلُ بتقديم البيض رمزاً لبعث الحياة من جديد. العرب قاموا بتحويلها لعيد “شم النسيم” لتحريف الصفة الدينية عنها، لكنهم لم يستطيعوا الابتعاد عن اللفظ القبطي الأصلي “شوم إنسم”!.

قبائل الأكراد لاحقاً، وبعد مئات السنين الأغلب في القرن الثامن عشر، أخذت عن الفرس وقبلهم الآشوريين، احتفالات الربيع لكنهم لم يستطيعوا تغيير اسمه فبقي كما هو باللغة الفارسية “النوروز”، ثم قلّدوا ملحمة ” Shahnameh الشاهنامة” بملحمة سُميت “شانامەی کوردی” أو “كاوة الحداد” نُسبت لشاعر كردي فيلي “أكراد فيلية” غير معروف اسمهُ ألماس خان الكانولي المولود في كرمنشاه 1706.

العودة لاحتفالات أكيتو

ضمن عملية محاربة أصحاب الحضارات القديمة تمت عملية طمس تاريخية لأكيتو، وصلت لتحريم الاحتفال به، جرى هذا التحريم ومازال حتى فترة قريبة. الحجة أنّهُ عيد وثني، بينما استمر الفرس والأكراد “المسلمون” بالاحتفال بعيد “النوروز” الوثني!. التحريم جاء من الحكومات المتتالية ومن معظم رجال الدّين المختلفين، والسبب وجود طقوس وابتهالات ونصوص دينية تُسيء لأصحاب الديانات السماوية، خاصة ما يخصّ الإله Marduk واتحاد الآلهة فيه والإله نابو… وقصة الخلق للبشر والكون، وهو موضوع واسع قد نتطرق له في مركز فيريل للدراسات.

حالياً؛ هناك عودة للاحتفال بعيد أكيتو وسط الجاليات الآشورية والكلدانية والسريانية في بلاد الاغتراب، خاصة مع توفّر الحرية الدينية والقومية هناك. هل ستعود القيمة التاريخية لأكيتو، أم هي موجة مؤقتة تتلاشى مع الزمن؟ مركز فيريل للدراسات. الدكتور جميل م. شاهين.  

You may also like