اجتماعي سياسي

أيها السوريون؛ إرفعوا سعر دمائكم د. جميل م. شاهين

single-image

للعام الخامس أكررها: “أيّها السوريون: إرفعـوا سـعر دمائكـم”.

للعام الخامس والـدولار والدينــار وحتـى البصل، طارت أسعارها في العلالي، وبقـي ســعر ليتــر الــدم الســوري مكانــه، بل أصبــحَ أرخص ثمنــاً!! للعام الخامس والمتاجرة بسوريا مستمرة من الصديق قبل العدو، ومن السوريين أنفسهم قبلَ “الأشـقاء”. مَنْ يشـتري؟ وكـم صهريـج دم ســوري تريدون؟

صدّقــوا كل شيء، صـدّقوا أنّ واشنطن والرياض وأنقرة وموسكو وطهران وجنيــف 15 سيأتونـا بالحلّ على أنغـام فرقة الدبكـة الجديدة. تفاءلوا بأنّ البنك المركزي سوف يضرب التجار ويخفض الدولار فتهبط الأسعار، وتُصبـحُ وجبتكـم اليومية كافيـار… المطلوب منكم فقط أن تعيشوا وتنتظروا بـاب الحـارة بجزئه العشرين، فالأصدقـاء وضعوا ودائعهم بالمليارات في بنوككم، وأنتـم أهمّ من شعوبهم، يدافعون عنكم من أجل سواد عيونـكم، وخبراتكم مطلوبة من معامل المرسيدس، وأحضان كندا الدافئة تستقبلكم بعد أن أتحفتـم ألمانيــا بزينة الشـبان.

صدّقــوا كل شيء، صدّقوا أن أصحاب الذقون العفنـة رأوا الملائكة تقاتل مع حثالة الشيشان والسعوديين والأتراك، ومالو؛ مالو إن ذهبت العقول مع خُطب البكـاء هذا إن كان للمستمعين الراكعين أمـام اللات عقـول. صدّقــوا أنّ الديموقراطية قادمة ومعها حرية حرية، وأنّ الوطنيين هم أسياد السِلفي وصورني بجانب الشهيد.

صدقــوا كل شيء؛ صدّقـوا بني عرب في كل ما يقولون، وناضلوا من أجل الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، وأن الشعوب العربية سـتثور ضد حكامها وتأتينا داعمـةً مدافعـة. سَـلامات يا عرب، وعاشت الأمـة العربيـة… عاشت.

عاشت الأمـة العربية بينما أجزاء تُقتطع من سُــوريا لمَنْ هم أحدثُ وجوداً وأحـطّ منزلـةً منَ بني صهيون، والسوريون يتفرجون. كم دونمـاً تريـد؟ كم هكتاراً؟ كم ألف كلم مربـع؟ ما رأيك أن تشتريَ الحسـكة والقامشلي وعين العرب وسـوف أعطيكَ تل تمر “على البيعـة”؟ تُبــاعُ سـوريا قطعـة وراء قطعة، وتُحـاربُ القومية السورية قروناً، بينمـا يجَبُـنَ أصحابُ الشـأن عن الإعتـراف بمجازر “أحبابنا الأتـراك” بحق السـوريين. إذا كانت سيمفونية نينوى من تأليف الميديين وعشتار ليست سوريةً، فلمـاذا لا تُبـاع سـوريا للرُعاع، وتُرسم خرائط مـداد قلمهـا دمُ السوريين؟

كم قرناً نحتـاجُ كي نفهمَ اللعبـة؟ ونعرف مَنْ معنا ومنْ ضدنــا؟ هذا على فرض أنّ أن أحــداً معنا. كم قرناً نحتاج كي نعرفَ مكاننا في العالم وكم نساوي في سـوق بورصة الشعوب؟ كي نقولَ الحقيقة ونحسّ بالواقع ونتخلى عن “فتوحاتنــا” ونشرنا للعلــوم وقيم العـدل والتسـامح، وكل هذه الخزعبلات، كي نُعدّل مناهجنا الدراسـية الدينية والتاريخيـة الكاذبـة ونحـذف كلمـة “فتـح القسطنطينية”، ونعرفَ أنّ السوريّ أقرب لنا من الأندونسـي والشيشـاني؟ كي تكـون مقولة “الدين لله والوطن للجميع” هي الفاتحــة…

رمّمـوا دور العبـادة قبل المدارس، وبيـوت الله قبل المشـافي، لأنّ الله مسـكينٌ مُشـرّد ينتظـر متعهدي الإنشاءات كي يستقر في بيتـه، لأنّ الصَـلاة لا تجوز إلا في مكان طُلِي بالذهب المنهـوب، والمريض لا يشفى إلا بالدعـاء، والمطر لا ينهمر إلا بصـلاة الاستسقاء، وعاشت الرقيـة وأفيــون الشـعوب. 

كـم صهريـجَ دم طـازج تريـدون؟ دمُ ذكـر أم أنثـى؟ ليتـر الذكر بليترين مـن دم الأنثى، وكله حسـب الشـرع، والحمد لله.

جفّ قلمـي يا أبنـاء وطنـي… جفّ قلمي وأنا أكتبُ سيناريو مسلسل يسـبحُ بالكوميديا السـوداء، ورواية طويلة أتمنى ألا أنهـي فصولهـا بمــوت الأبطـال جميعهـم وبقـاء أصحاب المعالي، بموت مَنْ يستحقون أن يحملوا جـواز السفر السوري، وبقـاء تجار الدم الصغـار الذين هجروا “فندق” الوطن وهـم يُردّدون “المـوت ولا المذلــة” على أبـواب المسـاعدات الإجتماعيــة في برلين، الـذين باعـوا الوطـن من أجـل إقامة في فندق اسـتنبولي وسـندويشـة فلافــل، بينمـا تجار الدم الكبَــار يتمختـرون بسيارات الفيميـه.

واجب الفقير أن يموت بصمت كي يعيشَ الغني،  وفـرض عيـنٍ على الأم أن تُقـدّم أبناءهـا الخمسة على مـذبح التحريـر، ليأتي سـاكنو القصـور يحتفلون بالنصر بينمـا تبكي هـذه الأم شـهداءها وحيدة فوق القبـور.

شـاؤوا أم أبـوا، سـتبقى دمشــقَ شــآم الله، وحاضـرة الخلـود وبوتقـة المجـد وســنديانة عرش الملكــوت، منها ارتفعــتُ عُـمـدُ الســماء، وعلى قاسـيونها اسـتند عرش الفلك. لا قداسـة تأتيكم أيها السـوريون إلا من أمهـات الشـهداء، ولا شـفاعة إلا من أنبيـاء الجيـش الســوري، الجيـش الســوري وحسـب…

الكاتب: د. جميل م. شاهين 18.04.2016

 

You may also like