سياسي

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق. الأستاذ زيد م. هاشم

single-image

من خلال متابعتي عن كثب للشأن العراقي، أجدُ أنّ الولايات المتحدة تعتمدُ في سياستها الجديدة على عدة ركائز أساسية، لاستمرار سيطرتها على العراق وما حوله:

تواجدٌ عسكري مكثّف وسط وشمال وغرب العراق. من الأنبار إلى صلاح الدين، حيثُ تعملُ جاهدةً لتأسيس ميليشيات عسكرية محلية  من سكان تلك المناطق؛ تحمي القواعد الأمريكية وتكون شبيهة بمليشيات قسد في سوريا.  تعتبرها واشنطن حليفاً لها وتعطيها شرعية الوجود كمكونات عسكرية وسياسية وحتى اجتماعية في العراق. ما تقوم به هو تجميع مسلحين من العشائر والأحزاب كعملاء لها تمنحهم الدعم ويمنحوها “شرعية” وجودها العسكري. هذه المجموعات ممثلة بالبرلمان العراقي ومجالس المحافظات وكذلك من الوجاهات الاجتماعية التي قاتلت داعش.

 تعملُ واشنطن على تشكيل حشد عشائري في المحافظات السنية، ليصبحَ بديلاً عن الحشد الشعبي. ما نتوقعهُ هو إثارة الفتن والقلاقل مع الحشد الشعبي في تلك المناطق، بغرض إخراجه، واستبداله بقوات محلية عميلة للأميركان.

تمنعُ واشنطن عملية “إعادة الإعمار والتعويضات عن تدمير الممتلكات الذي حصل نتيجة الحرب ضد داعش، هذا يعني انعدام فرص العمل وزيادة البطالة، هذا يؤدي إلى زيادة نقمة الشعب هناك ضد الدولة العراقية، وانخراط العاطلين عن العمل في الميليشيات المزمع تأسيسها لتأمين لقمة عيشهم.

الشركات التي ستساهم بإعادة الإعمار هي أميركية وخليجية، لهذا تقوم دول الخليج بتوجيهات من واشنطن بشراء الذمم وخلق واقع اقتصادي خارج مصالح العراق الوطنية، ضمن ارضية اقتصادية تستهدف طبقة عريضة من المكونات الاجتماعية في المحافظات المحررة من داعش، وهذا ما يبرر دخول أنظمة الخليج للاستثمار بالعراق في المناطق المنكوبة لخدمة هذا الهدف. بعد أن كانت بغداد تتهم هذه الأنظمة بدعم داعش وقبلها القاعدة، فما الذي تغيرّ فجأة؟!!

في خطوة مبدئية؛ بدأت واشنطن بتصنيف الفصائل العراقية الموالية لإيران في الحشد الشعبي على لوائح الإرهاب، مثل “عصائب أهل الحق” و “النجباء”، وستتلوها تصنيفات لاحقة بقصد اختراق وتفتيت الحشد الشعبي وتحويله تدريجياً لمؤسسة حكومية سياسية، حزب سياسي مثلاً، بعد إقصاء حلفاء إيران منه. هنا تزجّ واشنطن عملاءها فيه كما فعلت بالجيش والشرطة والمخابرات العراقية، وهذا أمرٌ يعلمهُ الجميع في العراق.

تتبنى واشنطن ومعها دولُ الخليج تياراتٍ سياسية شيعية تتبعُ لها، كالتيار الصدري والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الحكيمي وغيرها، هذا يعني تقسيم الشيعة وبث الخلاف بينهم وإبعادهم عن إيران. كمثال آخر؛ من الشخصيات السياسية الحزبية والمستقلة في الجنوب، نلاحظ أنّ حكومة عادل عبد المهدي تتعاون بطريقة إيجابية مع التوجهات الأمريكية في كل ما سلف، وقبلها حكومة العبادي التي هيأت الأمور للوصول للمرحلة الثانية من المخطط.

خلط الأوراق بادخال قوى معارضة للعملية السياسية، والعفو عن شخصيات هامة قادت الحراك ضد الحكومة العراقية وهيأت لظهور داعش، ما نتوقعهُ هو عودة نشاط “حزب البعث العربي الاشتراكي، لكنّ الأسوأ هو لإعادة إحياء “جماعة الإخوان المسلمين” في العراق. ولا تستغربوا أن نرى تحركات لـ “حماس” و “الجيش الإسلامي العراقي” و “جيش المجاهدين” و “النقشبنديين”… كل هؤلاء ستعيدهم واشنطن للحياة السياسية والعسكرية تحت رقابتها اللصيقة وكحلفاء وأتباع لها مواجهة إيران في العراق، وزجهم في “الحشد العشائري الأميركي”.

زيادة العقوبات الاقتصادية على إيران سيدفعها للتحرك في العراق لفتح بوابة تخفف التصعيد الاقتصادي والسياسي ضدها، وهو ما تسعى إليه واشنطن تماماً: “إشعال الساحة العراقية” ضمن مشروع فوضى خلاقة مسيطر عليه يمكّنها من تمرير مشروعها.

تتحرّك واشنطن في الشمال العراقي بدعم الميليشيات الكردية، وبالإضافة لقواعدها العسكرية هناك، ستبني أكبر قنصلية أميركية في العالم شمال العراق في أربيل، وهذا يدل على أمرين: الأول، مدى أهمية العراق بالنسبة لواشنطن، فالسفارة الأميركية ببغداد هي الأكبر عالمياً، وقنصلية أربيل ستكون خط دفاعي خلفي في حال التوتر مع بغداد مستقبلاً. الثاني، بناء القنصلية أيضاً مؤشر لدعم واشنطن لخطوات شمال العراق الانفصالية.

تركت واشنطن عن قصد بؤراً لداعش في العراق في محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك والموصل، محمية بشكل مباشر من قبلها، وهذا دليل ملموس وواضح على نيتها إعادة تدوير داعش واستخدامها كلما دعت الحاجة إليها لتحريك الوضع… السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تتحرك القوات العراقية باتجاه هذه البؤر؟! والسؤال الآخر: لماذا يتم نقل الدواعش من سوريا لصحراء الأنبار “الشامية” إلى جوار  القواعد الأمريكية الجديدة في غرب العراق ونقل القوات الأمريكية من سوريا إلى هناك؟ أليست داعش كما تدّعي واشنطن أنها عدوة لها… هل تضعُ الإرهابيين على مسافة عدة كيلومترات من قواعدها؟

قلناها مراتٍ في مركز فيريل للدراسات: “لا تحتلُ الولايات المتحدة دولة وتخرجُ منها إلا بالتوابيت”… إنّ واشنطن تعمل على قدم وساق وبشكل واضح لجعل العراق منطقة نفوذ دائمة لها، بغرض مواجهة مشروع إيران وحلف المقاومة المعادي لإسرائيل بالمنطقة، وسرقة خيرات العراق وقطع الطريق الحيوية من طهران لدمشق… حالياً تمت إضافة سبب آخر هام وهو: “محاصرة الوجود الروسي في سوريا” والسيطرة على ممرات الغاز والبترول باتجاه المتوسط والذي يعتبر خطاً أحمر في الاستراتيجية الأمريكية. العراق دخلَ منذ سنواتٍ طويلة الحرب، متى يخرج؟ لا أحد يعلم. إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات. الأستاذ زيد م. هاشم.

You may also like