سياسي

الحرب العالمية الثالثة تمر مـن بوابة دمشـق د. جميل م. شاهين 28 حزيران 2012

single-image

الحلقة الرابعـــة

لاحقا لما نشرت وعلى ضوء ما جرى من إسقاط للطائرة التركية الحربية  بتاريخ 22 حزيران 2012، أناقش اليوم احتمالات اندلاع مواجهة مسلحة بين سوريا وتركيا، تكون بوابة دخول نزاع مسلح إقليمي على الأقل.

الساذج فقط مَن يصدق أن طائرة تركية  حربية مقاتلة أو حتى زراعية، يعتمد فيها الطيار على الرؤية المباشرة فقط، دون الاستعانة بأي جهاز لتحديد وجهة الطائرة، يمكن أن تخطئ مسارها وتدخل الأجواء السورية، خاصة وأن تضاريس المنطقة شديدة الوضوح، والطقس كان صحوا، هذا على فرض أن رادارات الطائرة تعطلت، وأن الطيارين أصيبا بالعمى الجغرافي.. العملية مقصودة، وبرأيي أراد حلف الناتو تجريب قدرة الرادار السوري على كشف الطيران المعادي. هذا على فرض أن جهاز الإشارة في الطائرة ليس هو جهاز الميغ 21 التي فرّ بها الطيار السوري إلى الأردن! الناتو استخدم الأتراك كمطية لجس نبض السوريين، ومعرفة رد فعلهم، هذا إن لم يكن في العملية هدف أكبر وأخطر، وأنّ طائرة واحدة فقط هي التي دخلت الأجواء السورية ولم يكن وراءها سرب من الطائرات ينتظر…

تضارب تصريحات الساسة الأتراك وارتباكهم، ابتداء بقائد الأركان الذي قال: (طائرتان حربيتان، كانتا في مهمة قتالية..). ثم اختفت تصريحاته من وسائل الإعلام!!! وانتهاء بوزير الخارجية أوغلو الذي قال: (طائرة واحدة تدريبية). كل هذا يعكس غموض الهدف، ومحاولة السياسيين الأتراك استغلال الحادث تبعا لتوجيهات داخلية وخارجية تأتيهم تباعا، وقد لاحظنا ارتفاع وتيرة التهديدات بعد إجراء محادثات بين ساسة أنقرة وحلف الناتو، بينما القادة العسكريون لزموا الصمت وهم المعنيون بهكذا حادث…

إلى أي مدى يمكن أن تمضي حكومة أردوغان في استغلال الحادث؟

كل شيء وارد، بدءا من تصريحات نارية لرد ماء الوجه ومسح الإهانة التي نزلت بهم، ومرورا بتحرشات عسكرية محدودة كاسقاط طائرة مروحية سورية مثلا، أو قصف لمواقع ما على أساس أنها لحزب العمال الكردي داخل الأراضي السورية… انتهاءً بحرب شاملة تحصد الأخضر واليابس. ماجرى من نشر للجيش التركي على الحدود السورية إلا بداية التحضير لما هو آتٍ… الأمر الآن يحتاج لتأكيدين: مَن سيدفع فاتورة الحرب؟ وهل سيشارك الناتو تركيا في مخططها؟

ـ فاتورة الحرب، تتكفل بها السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة دون شك.

ـ الناتو… وهنا المشكلة القانونية، على فرض أنه للحروب قانون. لابد من تحقق شروط المادة الخامسة من ميثاق الناتو /التي تعتبر تركيا عضواً هاماً فيه/ والتي تنص على الدفاع عن أي بلد يتعرض لهجوم. لم يتحقق هذا الشرط كون الطائرة دخلت أجواء سوريا، إذاً على تركيا انتظار خطأ سوري في المستقبل واستغلاله، ولعل تحذير الناتو وادانته لرد الفعل السوري، هو الخطوة الأولى لتبرير أية خطوة مستقبلية يقوم بها الحلف منفردا دون العودة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، للحفاظ على العضو التركي.

الجميع يريدون أن تكون تركيا رأس الحربة في أية مواجهة مسلحة مع سوريا، وهي المرشح الوحيد لذلك من بين جيران سوريا الخمسة. ومثلها مثل الثور الذي دفعته الضباع لدخول عرين الأسود، فإن خرج سالما، أضفوا عليه صفة المفترس رغم أنه بقي ثورا!

يجب ألا ننجر وراء عواطفنا فنصور الأتراك على أنهم لقمة سائغة، وفيما لو تدخلوا عسكريا فسوف يقعون بين فكوك كماشة رباعية الرؤوس.

الجيش التركي هو السادس عالميا، ولديه دعم أمريكي غير محدود، بما في ذلك القواعد الأمريكية في تركيا والأسطول السادس في المتوسط، هذا إذا ترك حلف الأطلسي تركيا تحارب لوحدها.

يدرك قادة الجيش التركي أنّ دخول مثل هذه المغامرات سيكلفهم الكثير، والانتصار لن يكون مضمونا، لهذا يلزمون الصمت. أما الساسة فهم على درجة من الجهالة العسكرية بحيث تجعلهم ينجرون وراء غبائهم وتعليمات ناصلة اللون، ودولارات الخليج. والذي سيحسم الحل هنا: المنتصر بين السياسيين والعسكريين الأتراك.

أردوغان يريد أن يُسجّل اسمه في تاريخ تركيا قبل أن يُقعده السرطان، كما يُشاع، عن مواصلة مسيرته، لهذا هو مستعجل في خلق انتصار تركي محدود تجعله بروباغاندا وسائل الإعلام كانتصارات فاتح سلطان محمد خان ثاني، الذي غزا أوروبا ودمر حضارتها.

الدولة المرشحة لمشاركة تركيا هي انكلترا. المقاتلات البريطانية وضعت على أهبة الاستعداد منذ أسبوع، تحسبا لشن هجوم على سوريا، أي أن أية ضربة انتقامية تركية يمكن أن تعني زج بريطانيا بمقاتلاتها لدعم حليفتها في الناتو، لهذا قد تكون انكلترا أول الداخلين في معمعة حرب إقليمية.

سوريا باسقاطها الطائرة أرسلت عدة تحذيرات لمن يهمه الأمر، ومخطئ مَن يعتقد أن قرار التصدي جاء وليد اللحظة. تحذيرات وصلت إلى دول الخليج وحلف الناتو وإلى المسلحين في الداخل، بالإضافة للدولة المعنية مباشرة وهي تركيا. لكن الذين وصلتهم الرسائل التحذيرية ماضون في خط سيرهم، وسوف يحاول حكام الخليج ضرب سوريا بيد تركية:

المال من بترول العرب والسلاح أطلسي، والقتلى أتراك…

الغرب يريد اسقاط الدولة السورية بأقل التكاليف، لكن التوقيت الحالي سيء للقيام بأي هجوم، السوريون يدركون ذلك، وقد يجرّون الغرب لحرب محدودة لفرض شروطهم في التسوية، خاصة وأنّ الواقع الميداني يؤكد قيام الجيش السوري بسحق آلاف الإرهابيين من عرب ومعارضة مسلحة.

ما يعمل عليه الغرب والخليج حاليا هو الحفاظ على اضطراب الأوضاع في سوريا، بانتظار نهاية العام. بعدها سيكون الاقصاد السوري انهار والجيش السوري أنهك تماما، حسب توقعاتهم، وستأتي الضربة مزدوجة: إيران وسوريا معا وبمشاركة  واسعة من 35 دولة… هكذا يحلمون…

السيناريو السوري هو مزيج من السيناريو الصربي والعراقي، وانهيار مبادرة كوفي عنان سيكون أول رصاصة في هذه الحرب الإقليمية.   

روسيا لن تشارك في الحرب علنا، رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتبر بقاء القيادة السورية معركته الشخصية، ولهذا قاوم كل الضغوط الامريكية، رغم المغريات الاقتصادية العديدة التي عرضها الامريكان ودول الخليج الغنية.

تركيا تلعب بالنار، ومعها كل الأطراف العربية والأجنبية المتورطة في مستنقع الحرب في سوريا. وستكون أولى نتائج الحرب الإقليمية هي تراجع اقتصاد الأتراك من المرتبة السابعة عشرة عالميا إلى ما دون الاقتصاد السوري. سوريا ليست ليبيا ولا صربيا ولا العراق، وهذا يعرفه القاصي والداني، وخرابها سيطال الجميع دون استثناء، كما ستطال الصواريخ السورية رؤوس دافعي الرواتب للمسلحين.

عسكرياً

تركيا السادسة عالميا من حيث قوة الجيش، حسب الترتيب الأميركي. تتفوق /نظريا/ على سوريا في كافة النواحي: بحريا وجويا و بريا. لكن الأوراق التي تمسك بها سوريا تجعل التفوق التركي لحظي، أي تفوق مؤقت يتراجع بعد فترة قصيرة من بداية العمل المسلح، لهذا ستكون الضربة التركية إن حصلت، سريعة وقصيرة ومدمرة…

إليكم جدول مختصر لمقارنة بين القوتين عسكريا هذا بالنسبة للأسلحة التقليدية طبعا

القوات تركيـا سـوريا عالميا
تركيا سوريا
الجيش النظامي 1,370,407 جندي 501,410 جندي 8 17
الآحتياط 429,000 450,500 18 16
الطيران 1,940 830 8 21
صواريخ مضادة للطيران 5,547 3,310 2 5
الهيلوكوبتر 874 208 2 36
قطع السلاح البري 69,774 25,406 3 8
الدبابات 4,246 4,950 8 6
مضادات الدروع 47,546 8,490 2 6
المدرعات 6,592 6,610 10 9
راجمات الصواريخ 559 1200 9 5
القطع البحرية 265 19    
المدفعية 1,838 2,160    
فرقاطة 19 2    
االبرمائيات 55 3    
موازنة الجيش السنوية 25 مليار دولار 1,8 مليار دولار 16 46

التفوق السوري يأتي في الترسانة الصاروخية، حيث تحتل سوريا المرتبة الخامسة عالميا، وهناك من يصنفها في الرابعة من حيث الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى.

السوريون لم يكونوا يضيعون الوقت، لقد أتخموا مستودعاتهم بالأسلحة الدفاعية تحديدا، والتي ستلعب دورا أساسيا في تقرير مصير أي عدوان عليها. ولعل التقرير الاستخباراتي الأميركي الذي صدر بداية هذا العام يلخص ما يجري: قالت مصارد فرنسية مطلعة /لا يمكن أن تشارك فرنسا أو الولايات المتحدة في أيّ عمل عسكري ضد سوريا مادام الأسد ممسكا بمفاتيح ترسانته الصاروخية…./

لن أستعرض بشكل مفصّل عسكريا، وسأترك هذا لأصحاب الشأن، لكن باختصار تتضمن الترسانة الدفاعية الصاروخية السورية:

ـ صاروخ اس 300 بنوعيه البري والبحري، والذي يمكن اعتراض صواريخ كروز، وتدمير أي طائرة على ارتفاع حتى 27 كلم ولمسافة 150 كلم… وبنوعه الحديث، قد يكون أفضل صاروخ اعتراضي في العالم…

ـ صواريخ أرض ـ جو من طراز بوك م2.

ـ صواريخ مضادة للسفن (باستيون) يبلغ مداها 250 كلم

ـ بطاريات متطورة مضادة للطائرات من طراز (قذائف ستالين).

ـ  رشاشات مضادة للطائرات موجهة بالرادار /بانتسير/ والتي يُقال أنها هي التي أسقطت الطائرة التركية.

ـ صواريخ قصيرة، متوسطة وبعيدة المدى، قادرة على حمل رؤوس غير تقليدية…

يستطيع الجيش التركي تدمير البنية التحتية وايقاع خسائر كبيرة في صفوف الجيش السوري وبفترة ساعات، وقد يصل بفترة قصيرة إلى إدلب وحلب… لكن…. بامكان السوريين إطلاق  600 صاروخ متوسط وبعيد المدى يوميـاً، ويمكن لبعض هذه الصواريخ أن تطال قصر /دولما باشا/.. والدفاعات التركية لن تستطيع إيقاف الصواريخ الوافدة من خلال الغبار الكثيف الذي سينتج عن الحرائق داخل العمق التركي.

القيادة العسكرية السورية لن تتردد في استخدام صواريخ غير تقليدية في حال أخذ الجنون عقول القادة الأتراك، ودخلوا الأراضي السورية ووصلوا قرب حلب مثلا. أو فكروا بمنطقة عازلة لحماية 5000 تركماني موجودين في محافظة إدلب، ولنشر الديموقراطية في سوريا، خاصة وأن زعماء أنقرة لا ينامون الليل خوفا على الشعب السوري!..

يستطيع الجيش السوري ضرب الموانئ التركية حتى أنطاليا، وهنا ستصاب هذه الموانئ بالشلل التام وستصبح السياحة في خبر كان.

ماذا بعد ذلك؟ على مَن يبادر بالحرب أن يجيب على هذا السؤال:

سيمد الناتو تركيا بالدعم اللامحدود مبدئيا، وربما تشارك انكلترة منذ البداية. اسرائيل ستتفرج بابتسامة عريضة، فخصومها يتقاتلون، ولن تكون مسرورة بفوز أحدهما على الآخر.

سيحاول الأطلسي وتركيا حصر الحرب بمنطقة واحدة، لكن للسوريين رأي آخر:

ـ سيشعلون الجبهة الجنوبية الشرقية لتركيا عن طريق حزب العمال الكردي.

ـ ستحدث انشقاقات اجتماعية وربما عسكرية ضمن المجتمع التركي خاصة بين صفوف طوائف معينة.

ـ يمكن للسوريين اشعال الجبهة اللبنانية، وجر اسرائيل إلى الساحة، وتوسيع رقعة الحرب وهنا سيهرع الكبار لإطفاء النيران التي قد تصيب العالم بأسره.

أسئلة كثيرة لا يمكن لأحد الإجابة عليها:

ـ هل ستقف إيران متفرجة؟

ـ هل هل سيكون للدب الروسي والتنين الصيني رأي آخر؟

ـ هل سيسمح الناتو بانكسار شوكة تركيا بعد أن كَسرت هيبتها باسقاط الطائرة؟

السيناريو المتوقع على المدى المنظور:

ـ تحرشات تركية بالجيش السوري.

ـ المزيد من عمليات التفجير والاغتيالات ونشاط مكثف للمسلحين على الحدود السورية التركية وتحت حماية علنية من الجيش التركي.

ـ مجازر جديدة خاصة ضد الأقليات… وهنا أحذر من مجزرة ضـــد المسيحيين في قرية مسيحية ما أو في كنيسة..، من أجل لفت انتباه العالم المسيحي واتهام الجيش السوري بذلك.

ـ محاولة اغتيال أعلى القيادات في سوريا وبطرق غير تقليدية.

ـ ازدياد الضغط على مجلس الأمن من قبل الخليج لتطبيق البند السابع.

ـ ضخ مالي غير محدود للمسلحين وللمنشقين من السوريين.

كلمة أخيرة:

تبدأ الحرب الكبرى ضد سوريا، عندما يتأكد الغرب من نجاح الجيش السوري في إعادة الوضع لما كان عليه قبل آذار 2011. مركز فيريل للدراسات، الدكتور  جميل م. شاهين ـ برلين 28.06.2012

You may also like