سياسي

الموت القادم من الشرق. الأستاذ زيد م. هاشم Firil Center For Studies FCFS Berlin

single-image


Firil Center For Studies FCFS Berlin تُمثلُ منطقة الشرق الأوسط العمق الجيوسياسي للنفوذ الأمريكي الأهم عالمياً، والذي يُعتبر الركيزة الأساسية التي تحدد قوة واشنطن بمختلف آفاق الصراع العالمي. من هنا يجب أن ينطلق التحليل وعلى هذا الأساس الواضح تقرأ المعطيات.

لا نؤمن في مركز فيريل بوجود فارق بين الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة بخصوص قضايا الشرق الأوسط تحديداً، فهما يُنفذان سياسة واحدة ضمن استراتيجية بعيدة يتم وضعها في الغرفة السوداء. ربما تختلفُ الخطة ومراحلها، لكن يبقى الهدف النهائي واحداً مهما كان انتماءُ حاكم البيت الأبيض، وهذا ما لايدركه الكثيرون، ويقعون في وهم أن هناك خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين في ملفات المصالح الأمريكية. لترسيخ هذا المفهوم عند العامة؛ يقوم الإعلام الامريكي العملاق بالترويج لهذا وهو نوع من الدجل لإظهار وجود ديموقراطية وأنّ أميركا هي أرض الحرية…


إذا تابعنا أيّ ملف يخص مصالح واشنطن، نرى أنّ الحزب الذي يحكم البيت الأبيض يسير ضمن حدود مصالح الولايات المتحدة لكن بتكتيك مختلف، وفي المحصلة، النتيجة واحدة؛ “مصلحة واشنطن هي العليا وليذهب الجميع إلى الجحيم”.

أين إيران من كل هذا؟

من سياسات واشنطن الثابتة في الشرق الأوسط خلال الـ30 عاماً الماضية، الاستثمار في سياسة الترهيب وإيجاد عدو مفترض يُعزز سطوتها لتحقيق مصالحها. وهذه سياسة اتبعتها اإميراطوريات منذ آلاف السنين، لكن الشعوب وحكامها أبعدُ ما يمكن عن قراءة التاريخ…

مثّل نظام صدام حسين رُعباً حقيقيّاً لحكام الخليج، وقد دعمتهُ واشنطن في حربه ضدّ طهران لإضعافها وإضعاف العراق بنفس الوقت، ثم وجهتهُ لغزو الكويت. كافة الزعماء والدول انطلت عليهم اللعبة بما في ذلك صدام حسين نفسهُز بغزو الكويت انقلبت الحال فجأة، فجاءت الولايات المتحدة بجيوشها واحتلت دول الخليج كاملة ومعها العراق، وبدأ عملية ابتزاز علنية لأنظمة الخليج. هل هناك مثالٌ أوضح من هذا؟

أوجدت واشنطن بالتزامن من حروب صدام حسين التنظيمات الإسلامية المتطرفة، بدءاً من تنظيم “القاعدة” الذي دعمتهُ ومعها السعودية لقتال “السوفيت الكُفّار” في أفغانستان. انهار الاتحاد السوفيتي، فبدأت ضرورة التخلّص من “القاعدة” بمسرحية 11 أيلول في نيويورك، وكذلك ضرورة التخلّص من نظام صدّام حسين بمسرحية انتاج أسلحة كيماوية، فاحتلت العراق وأفغانستان.

فرغت الساحة من “البعبع الصدّامي” الذي جعل “أطفال” الخليج ينامون في حضن جورج بوش الأب والابن، هنا جاء دور إيران التي وقعت فخ مخطط واشنطن لترهيب أنظمة وشعوب المنطقة من المد الفارسي “الشيعي. الصفوي. المجوسي..” إلى ما هناك من تسميات يرددها الببغاوات دون فهم.

أعلن النظام الجمهوري الإسلامي الإيراني منذ البداية عن سياسة تصدير الثورة، وهذا خطأ استثمرتهُ واشنطن. بعد غزو العراق، تماهت طهران ولندن وواشنطن سياسياً من ناحية التعاون في العراق بعد احتلاله، حيث كان تشكيل الحكومات وبناء المؤسسات والمنظومة العسكرية والأمنية هناك، يتم بالتوافق بين الدول الثلاث من خلال الأحزاب والمنظمات التابعة للطرفين، فالأحزاب التابعة لطهران وصلت لحكم العراق من خلال واشنطن وبهذا حققت إيران مصلحتها بإسقاط صدّام ووصول حلفائها لسدة الحكم.


النفوذ الإيراني باتَ واضحاً في العراق وامتد لما بعد الحدود، لهذا يجب التخلّص منه بإدخال المنطقة من جديد في مرحلة الرعب من “البعبع” الإيراني وأذرعه.

اللعبة باتت أوسع ودخلت مرحلة الفوضى الخلاقة من خلال صراع دول الإسلام السياسي؛ تركيا إيران السعودية. إنه صراع الدول ذات الأنظمة الدينية على النفوذ والسيطرة على المنطقة كاملة والأهم “زعيم العالم الإسلامي”، فتمّ استغلال الدّين الإسلامي إلى أبعد حدود من الجميع دون استثناء.

في ذروة هذا الصراع وقّعت إيران “الاتفاق النووي” والذي كان نصراً لها لتدخل مرحلة ذهبية، فامتدت في العراق واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين.


إذاً؛ حربٌ ضد الإرهاب ثم دخول فوضوي بربيع الدم لقلب الأنظمة في الدول “شبه” العلمانية في اليمن وتونس وليبيا ومصر وسوريا، بعد إسقاط النظام العراقي، والهدف واحد؛ “إشعال صراع طائفي طويل الأمد في الشرق الأوسط”، بالإضافة لصراع قومي مرافق بالمطالبة باستقلال أجزاء من الدول كما يجري في شمال العراق وسوريا. وهذا ما حصل بالفعل.

في هذا الوقت أيضاً تمت صناعة تنظيم داعش لتأجيج الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، مع تغذية طائفية عبر الإعلام والمساجد… ونجحت واشنطن بجدارة…

الموتُ القادم من إيران و… شرقها

بعد ما ورد، يأتينا مّن يقول؛ الولايات المتحدة تتقهقر في الشرق الأوسط! كلّ هذا النجاح والسيطرة والنفوذ هو تقهقر؟

الحقيقة أنّ النفوذ الأمريكي ازداد، وتحوّلت إسرائيل إلى حليفٍ “ابن عم” للأنظمة العربية ضد “الموت القادم من إيران”!. استقطبت واشنطن كافة أشكال المعارضات من الإخوانية إلى الوهابية إلى بعض الذين يدّعون القومية أو العلمانية وباتوا عملاء لها ولتل أبيب… هنا تحرّكت موسكو…

موسكو أجهضت خططاً كثيرة لواشنطن

قلنا أنّ المعمول عليه أميركياً كان إشعال الشرق الأوسط بحربٍ طائفية لا تُبقي أحداً، وابتدأ النار بصراع طائفي مدمر في العراق وسوريا واليمن، وجاءت الدول الإسلامية بعشرات الآلاف بل مئات الآلاف من المُجاهدين العرب والأجانب لمحاربة المد الشيعي، من خلال مئات من النتظيمات الإسلامية المتطرفة… بعد دخول روسيا الحرب في سوريا بشكل عسكري صريح، انقلبت الحسابات الأميركية، فقد استطاعت موسكو:

إسقاط الحرب الطائفية بين جميع الطوائف والأديان إلى حدّ بعيد، وأظهرت أن الصراع هو فقط للوصول إلى كرسي الحكم التابع للغرب، هذه غاية الثورات العربية المزعومة.

 
استطاعت موسكو قرع ناقوس الخطر في قلب واشنطن، فقدوم الروس يُشكّلُ خطراً استراتيجياً على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، وبقاؤهم وتمددهم بتحالفهم مع دمشق وطهران، وتغلغلهم في الخليج وتركيا اقتصادياً، قد يُغيّرُ موازين القوى التي تميلُ لصالح الولايات المتحدة دون منافس. هنا انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي بعد أن استطاعت بث “الرعب” في نفوس دول الخليج ومعظم الدول العربية من إيران، لتبدأ سلسلة العقوبات الاقتصادية ضدها.

وضعت واشنطن شروطاً مُذلة لعودة التفاوض مع طهران، فقدّم وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في كلمة ألقاها بمعهد ”هيرتيج“ في واشنطن، 12 شرطاً للتوصل إلى اتفاق جديد بشأن برنامجها النووي.

تبدأ الشروط الأميركية بالكشف عن كل التفاصيل المرتبطة ببرنامج طهران النووي، والسماح لوكالة الطاقة الذرية بالتفتيش المستمر، والتوقف عن تخصيب اليورانيوم، وغلق المفاعل الذي يعمل بالماء الثقيل. ثم منحُ الوكالة الدولية إمكانية الوصول بحرية لكافة المحطات النووية الإيرانية. وضع حد لانتشار الصواريخ البالستية والصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوسًا نووية. إطلاقُ سراح الأمريكيين وكل المواطنين الحاملين لجنسيات من دول حليفة لواشنطن المحتجزين في إيران. التوقف عن دعم “المجموعات الإرهابية” حسب ما تراه واشنطن. وضع حد لدعم حركة طالبان والقاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى. التوقف عن دعم فيلق القدس في الحرس الثوري. وضع حد لتصرفات طهران تجاه إسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط. نزع سلاح الميليشيات الشيعية في العراق. التوقف عن دعم ميليشيات جماعة الحوثي في اليمن. وأخيراً: الانسحاب من سوريا وسحب ميليشيات الحرس الثوري الإيراني.

واشنطن لا تُحاربُ إيران فقط

بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في 8 أيار 2018، وإعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية على طهران. جاء تصنيفُ الحرس الثوري الذراع العسكري للثورة الإسلامية والمسؤول عن تصدير الثورة، على قائمة الإرهاب الأمريكية ثم تطبيق الحصار الاقتصادي المرحلة الثانية والذي يهدف لتصفير تصدير البترول الإيراين مع عقوبات شاملة في كافة القطاعات، والمقصود خنق إيران…

خنقُ إيران يمنع تشكيل حلفٍ قوي عسكري واقتصادي بين موسكو وبكين وطهران وحلفائها وسوريا، وهو ما قد يفتحُ شهية باقي دول منظمة شانغهاي للتعاون للانضمام إليه، وهذا أخطر ما يواجهُ الولايات المتحدة على الإطلاق…

بتاريخ 16 شباط 2016، وصل لأول مرة قطار شحن صيني إلى محطة طهران، بعد رحلة استغرقت 14 يوماً برحلة تجريبية لإحياء طريق الحرير للسكك الحديدية. هل هذا حدثٌ عادي؟

الأمر لا يخصّ إيران فقط، بل ما يأتي من الشرق أيضاً. إنها سياسة خلق “البعبع” لإخافة الصغار.

مع تسارع الخطوات بين شرق وغرب آسيا، ارتفع حرصُ واشنطن على حماية أمن الكيان الصهيوني وسياسته التوسعية في المنطقة، وكان “العُربان” لها… فزادوا التطبيع العلني ليظهر جلياً في مؤتمر وارسو، وبات التسابق بين زعماء الدول الإسلامية والعربية لخطب ودّ تل أبيب حماسياً، مع تصفية نهائية للقضية الفلسطينية بـ “صفقة القرن” التي يتم تمريرها خطوة بخطوة في عملية خداع طويلة الأمد، قلنا عنها في مركز فيريل للدرسات ستستمرُ 30 عاماً… نعم ثلاثين عاماً حتى يتم الكشف والانتهاء من صفقة القرن، والعرب يُهددون ويتوعدون إسرائيل بأنها تحلمُ…

قد يكشف البيت الأبيض بعد شهر رمضان عن بنود الصفقة، ولكنها ناقصة وهي جزء من الحقيقة… هم يُحققون أهدافهم بمرور الزمن والاعتماد على ذاكرة الذباب لدى الغوغاء، وقد نجحوا.

بنود صفقة القرن الحقيقية:

https://bit.ly/2YCscvK

أخيراً… جاءت الحشود العسكرية الأميركية، وارتفعت التهديدات المتبادلة… هل ستُحاربُ الولايات المتحدة إيران؟ وهل يسود الآن جوّ من الودّ والزيارات المتبادلة بين الطرفين؟ الحرب مُشتعلة والأضرار موجودة، وبقي إعلان البدء بالعمليات العسكرية… متى ستُطلق الطلقة الأولى؟ لا يمكن لأحد أن يعلم حتى ترامب نفسهُ. لكن نكررها من مركز فيريل؛ عندما تصل واشنطن لطريق مسدود أمام طهران، وما بعد طهران وهو الأهم كما قرأتم قبل قليل، هنا سيتحتمُ على الولايات المتحدة الدفاع عن وجودها في الشرق الأوسط وعن تل أبيب، عندها ستبدأ الحرب الكبرى. حتى ذلك الحين يتم حَلْبُ “بقرات” الخليج الدسمة إلى أن تجفَّ ضروعها وتُرمى في صحراء الربع الخالي… الأستاذ زيد م. هاشم. إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات الدكتور جميل م. شاهين. Firil Center For Studies FCFS Berlin

نتحدّثُ فيما بعد عن خارطة توزيع الحصص بين الكبار في المنطقة.

You may also like