سياسي

انسحاب الجيش الأميركي خدعة أو تحضير لعمل ما؟ الدكتور جميل م. شاهين

single-image

رغمَ تصريح ترامب بأنه يريد سحب قواته من سوريا منذ نيسان 2018، إلا أنّ العالم تفاجأ بقراره البارحة الأربعاء. سبب المفاجأة موجود في قصة “الراعي الكذّاب”.

الراعي الكذّاب لم يوضّح صورة هذا الانسحاب وهل سيكون كاملاً ومتى؟ إلا أنّ هناك نقاطاً رئيسية يمكنني توضيحها في استعراض مبدئي لما حدث وتوقّع ما قد يحدث.

قرار انسحاب الجيش الأميركي يجب أن يمرّ عبر مشرّعين في الكونغرس، كونه بقيَ في سوريا أكثر من 30 يوماً، حسب الدستور الأميركي لعام 1787 وصلاحيات الرئيس، هؤلاء المشرعون في إجازة عطلة الميلاد لأكثر من أسبوعين، والوضع استثنائي ويحق للرئيس الأميركي اتخاذ القرار دون العودة إليهم، لهذا استغل ترامب الظرف وقرر الانسحاب “في المكان”.

في المكان، هذا هو الانسحاب إن حصل ولكن متى؟ على ذمة وكالة “رويترز” نقلاً عن مسؤول أميركي: “خلال 60 إلى 100 يوم”. قبل قليل مسؤول أميركي يُصرّحُ بأن الانسحاب سيستغرقُ 4 أشهر، بحجة حماية القوات المنسحبة!. هذه برأيي مماطلة، فسحب الجنود الأمريكيين في منطقة آمنة يحرسها أتباعهم، لا يحتاج لهذه الفترة الطويلة.

الفترة الطويلة للانسحاب اتخذها ترامب وفريقه العسكري والسياسي دون مشورة أحد، وفقط تمّ تبليغ أردوغان هاتفياً بذلك.

فعلياً على الأرض وكما ذكرنا ليلة البارحة على صفحة مركز فيريل على الفيس بوك، تحرّكت آليات عسكرية أميركية من الحدود السورية التركية شمال الرقة، وهي نقاط مراقبة. اتجه بعضها جنوباً إلى عين عيسى، وقسمٌ باتجاه شرقي الحسكة، بينما عاد ديبلوماسيّون إلى شمال العراق في طريقهم إلى واشنطن.

في واشنطن وغيرها، واجهَ قرار الرئيس الأميركي معارضةً من قِبل بريطانيا وإسرائيل وطبعاً الميليشيات الانفصالية “المرعوبة”، وفي الداخل الأميركي من أعضاء جمهوريين على رأسهم عاشق الحرب ضابط سلاح الجو السابق “Lindsey Graham” المُقرّب من ترامب، كما أرسل ومعه خمسة أعضاء آخرين، جمهوريين وديموقراطيين، رسالة للرئيس الأميركي لإيقاف الانسحاب لأنه نصرٌ لداعش وإيران والرئيس السوري بشار الأسد وروسيا، وهددوا بتقديم مشروع يحث ترامب على التراجع عن قراره.

حجة البيت الأبيض بأنّ الانسحاب جاء بعد التغلّب على داعش غير صحيحة، وكأن دخول “هجين” هو النصر المؤزر. داعش انتهى دورها لكنها لم تنتهِ كتنظيم، وسيعودُ عند الحاجة إليه، لأنّ واشنطن لم تحاربها أصلاً.

لماذا ستنسحبُ الولايات المتحدة من سوريا؟

في الحقيقة هو إعادة تموضع أكثر من انسحاب، وفي أحسن الأحوال إن حصل وخرج آخر جندي أميركي، فلن يبتعد عن الحدود السورية سوى كيلومترات…

  • خلطُ الأوراق… من الطبيعي أن يُسارع صاحب الأرض، الجيش السوري، لملء الفراغ الذي سيحدثهُ الانسحاب. الميليشيات الكردية، رغم كونها أضعفُ الأطراف، قد تُرحب بذلك لكن بشروطها. “جيشُ الإخوان المسلمين” سيُسارع ومعه الجيش التركي لمنع الجيش السوري. إيران وروسيا ستدعمان خطوات الجيش السوري، على الأقل سياسياً، سنعود لذلك لاحقاً.  
  • حماية الجيش الأميركي… حسب معلومات مركز فيريل وحتى يوم أمس الأربعاء؛ هناك قرابة 4 آلاف عسكري ومدني أميركي، بينهم 1800 قوات عسكرية فاعلة على الأرض “قوات خاصة”، يتوزعون على 23 قاعدة ونقطة عسكرية في ثلاث محافظات سورية. بنظرة بسيطة، هؤلاء لا يُمثلون عسكرياً، دون غطاء جوي، أية قوة حقيقية، بل لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم. وجودهم بهذا الانتشار يُشكل خطراً عليهم إن تدخلت تركيا والمرتزقة ضد الميليشيات الكردية، ويُصبحُ استهدفهم أكثر سهولة في جوّ الحرب.  
  • الخطر الرئيسي على الجيش الأميركي يأتي من سوريا… تركيا وجيش الإخوان المسلمين لن يستهدفوا الجيش الأميركي بالتأكيد، وأيضاً الميليشيات الكردية وداعش… هل سمعتم بقيام داعش بأية عملية عسكرية ضد الجيش الأميركي؟. إذاً الخطر الأول يأتي من السوريين، الخبراء بصنع “المقاومة”. خلط الأوراق واشتعال المنطقة، يعني اختلاط الحابل بالنابل، ووصول مقاومين لهذه القواعد الأميركية ليس عسيراً، وعودة جنود أميركيين بالتوابيت كما ذكرت هنا في مركز فيريل مراتٍ، أمرٌ واردٌ… لهذا إبعادُ الجيش الأميركي عن نقاط التماس المتوقعة وتجميعهم في نقاط قليلة، هو أفضل سبل الوقاية والحماية.
  • زجّ الجيش السوري في حرب ضد جيش الإخوان المسلمين وضد الجيش التركي، هذا سيجرُّ إيران أيضاً، وسيضعُ روسيا في موقف مُحرج؛ هل تقف متفرجة أم تنخرط في الحرب جوياً؟ مما سيؤثر على علاقاتها “المُتحسنة” مع أنقرة.
  • إشعال إدلب… حسب بعض الأنباء، هناك تحركات واستعدادات لجبهة النصرة وإرهابيين يتبعون تركيا وقطر، للتحرّك في محافظة إدلب وإشعال الوضع هناك ضد الجيش السوري، فور بدء الهجوم التركي المزعوم، وهذا أيضاً خلط للأرواق.
  • تصريح البيت الأبيض واضح: “سحب القوات الأميركية مع الانتقال إلى “المرحلة التالية” من الحملة ضد داعش”.. كما ذكرنا، واشنطن لم تحارب داعش، وتتضمنُ المرحلة القادمة حرباً ضد إيران في الشرق السوري وفي العراق، وسيكون لإسرائيل دور فيها.

الولايات المتحدة تنسحبُ في المكان

دعونا نُصدّقُ أنّ ترامب إنسان صادق لدقائق فقط، والجيش الأميركي انسحبَ من سوريا. السؤال المطروح: متى هاجمت القوات البرية للولايات المتحدة الجيشَ السوري؟

الأعمال العسكرية جوية بحتة، ولم تنطلق الطائراتُ الأميركية مرةً من قواعدها في سوريا.

سواء انسحب الجيش الأميركي إلى دياره أو إلى دول مجاورة، الأمر سواء، فالجيش الأميركي موجود في عشرات القواعد ومعه الناتو. اتفاقية 1969 مع تركيا، سمحت للولايات المتحدة بإقامة (26) قاعدة عسكرية، ومراكز رصد وإنذار مُبكر وقواعد تجسس وتسهيلات في موانئ بحرية…

في العراق الأرقام تتحدث عن 12 قاعدة، منها “قاعدة سنجار” التي مرت قربها جحافل داعش بسلم واطمئنان!!، وتبعد عن الحدود السورية 28 كلم. بالإضافة لقواعد في شمال العراق ووسطه وغربه في حلبجة وكركوك وأتروش والحرير والسليمانية. لن ننسى قاعدة “عين الأسد” و”الحبانية”.

في الأردن لدينا على الأقل قاعدتين؛ الرويشد والأزرق. كذلك هناك الأسطول السادس في المتوسط وقواعد إسرائيلية تنطلق منها طائرات الناتو يومياً.

انتهت فترة صلاحية الورقة الكردية

أحد أهداف دخول الولايات المتحدة لسوريا؛ دعم مشروع الانفصاليين الأكراد واستغلالهم كورقة ضد تركيا وسوريا…  الورقة انتهت فترة صلاحيتها لهذا استمرار وجود الجيش الأميركي بهذا الانتشار سيكون خطوة غبية.

الميليشيات الكردية في سوريا ليست على توافق مع نظيرتها شمال العراق، فكلهم زعماء وقادة… حاولت واشنطن أن تجعل من “البيشمركا” قادةً لميليشيات الانفصاليين في الشمال السوري، ولم تنجح.

بمقارنة موقف الولايات المتحدة من الطرفين، نرى أنها كانت أكثر “كرماً” مع البيشمركا. صحيح أنها زوّدت ميليشيات السوريين الأكراد بمعدات وأسلحة لكنها لم تستطع عقد اتفاقيات معهم، ليس بسبب وطنيتهم، بل بسبب تعقيدات الوضع السوري، وكونهم أكثرُ ضعفاً وأقل عدداً، ولا يُشكلون أغلبية كما يدعون، لهذا لا يمكنُ الاعتماد عليهم، والرهان عليهم خاسر، فحربهم ضد “جيوب” داعش أثبتت أنهم أضعفُ التنظيمات المسلحة في سوريا.

 كمثال؛ الاتفاقية التي عقدتها واشنطن مع البيشمركا وحصلت بموجبها على قواعد عسكرية شمال العراق، قضت أن يدفع الأمريكان رواتب عناصرها لـ 10 سنوات، مع معسكرات تدريب وتسليح بكافة أنواع الأسلحة.

الميليشيات الكردية في سوريا لم تحصل سوى على خفي حنين، وطعنة في الظهر كما قالت الوحدات، وإشفاق تل أبيب عليها… وسوف تتركُ هذه الميليشيات لتواجهَ مصيرها لوحدها. تخلي الولايات المتحدة عن عميل يخون بلدهُ ويمدُّ يدهُ للعدو ويهرولُ وراء أحلام اليقظة، ليس بجديد، لكنهم لا يتعلّمون. وقعوا بالحفرة مراتٍ وسيقعون في المستقبل…

المتوقع في الشمال السوري على فرض أنّ أردوغان فعلها

لا حظوا أنّ تصريحات أردوغان كسوق البورصة، باردة وساخنة… لهذا لا يؤخذُ كلامه على محمل الجد، وهو كثيرُ الكلام قليل الفعل… لكننا سنفرضُ أنه نفّذ تهديدهُ وجرت الأمور حسب ما يريد السلطان العثماني، في هذه الحالة، هذا ما نتوقعهُ في مركز فيريل للدراسات:

  • الضوء الأخضر وكما قلنا منذ أسبوع بأن يُنفّذَ أردوغان تهديدهُ، لمعَ من ترامب. سيدفع العثماني بجيش الإخوان المسلمين لمواجهة الميليشيات الكردية، ويكون الجيش التركي في الخلف. تبدأ العملية بقصف الطيران والمدفعية، يتلوها دخول بري. المدى المسوح له بعمق 30 كلم يزيد أو ينقص حسب الحاجة.
  • المخطط لهُ أن يصطدم جيش الإخوان أولاً بالجيش السوري لتتوسع الحرب، ويتدخل الجيش التركي، هنا يأتي الدور الروسي.
  • إيران وروسيا ستتجنبان أي اشتباك مع تركيا، العضو في الناتو.
  • الميليشيات الكردية التي كانت “نموراً” قبل أيام أصبحت ليلة البارحة “أرانب” تتوسل دمشق أن تتدخل. التوسل سيزداد مع ارتفاع أصوات المدافع، ومعه تزداد الوطنية والحديث عن سوريا الواحدة الموحدة، وسيرتفعُ العلم السوري في كل بيت انفصالي و”حسب السوق منسوق”.
  • الانسحاب الأميركي كما تُحذر إسرائيل وغيرها سيطلق يد غيران في سوريا لتخلق خطّاً برياً مباشراً يربط طهران بالجنوب اللبناني، لنقل السلاح لحزب الله عبر العراق ثم سوريا. هذه هي الحجة التي ستستندُ إليها إسرائيل والناتو في قصف أيّ موقع أو قافلة عسكرية حتى لو كانت متجهة من الغرب إلى الشرق.
  • إن تُركت تركيا تتمادى في حربها، ستقوم بإنشاء حزام أمني على طول الحدود السورية، من شرق الحسكة حتى لواء اسكندرون المحتل، وتزرعُ فيه جيش الإخوان المسلمين، ثم تنقلُ له اللاجئين السوريين الذين تمّ تتريكهم فعلياً في معسكرات اللجوء لديها.
  • الولايات المتحدة لن تترك آبار البترول بسهولة، وستحاول أن تبقى تحت سيطرة الميليشيات الكردية، أو تنتقل إلى جيش الإخوان الذي سيكون نسخة عن قسد.
  • داعش ستعود لتتحرك في العراق وسوريا. وجبهة النصرة وغيرها في إدلب.

هل هذا كلّ شيء؟

بالتأكيد لا، وليس كلّ ما يُخطط لهُ يحدث، الفشل أيضاً رافق كافة القوى على الأرض السورية، الصديقة والمعادية.

جيش الإخوان المسلمين ومعه الأتراك لن يكونوا في نزهة، واستنزاف قوتهم سيتم تدريجياً مهما تعمّقوا. صحيحٌ أنّ قسد زرعت الكرهَ لها في نفوس سكان الجزيرة السورية بسبب سلوكها المشين، وجعلت قسماً كبيراً منهم يميل لتركيا. لكنّ قسماً كبيراً يدعم الجيش السوري وسيدعمهُ ويكون جاهزاً لكافة الأوامر…

الأكراد يدافعون عن حياتهم وعليهم تحمّلَ نتائج خيانة زعمائهم، هم الذين جاؤوا بالدب إلى كرم أصحاب الأرض، وسوف يلتهمهم أولاً…

تمادي أردوغان في حربه ضدهم لن يكون دون ثمن، وشوارع أوروبا وهنا في برلين ستشهد ما يُزعجهُ ويُزعج الناتو. لهذا أي خطأ بقتل المدنيين، سيُثيرُ الأكراد ضد الأتراك وسنرى اشتباكات بينهم، وموجة لاجئين جديدة، وهو ما سيجعلُ الأوروبيين أول مَن يتدخل لوقف هذه الحرب والمطالبة بتدخل الجيش السوري.

روسيا وإيران لن تسمحا لأردوغان بالتمادي في حربهِ، وهو وإن أضاء له ترامب الأخضر الفاقع، ليس حراً ولا سيد نفسه، من مصلحة إيران أن يؤدبَ أردوغان الأكراد في سوريا، فيرتعب أكراد إيران، لكن إلى حدّ ليس ببعيد… فقط تأديب.

يمكن لروسيا أن تشدّ لجامهُ إن حاول أن يكون جموحاً. هناك اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع موسكو، هي حدود لا يمكنه تجاوزها… لهذا ستكون أصواته أعلى من أصوات المدافع.

هل سيتدخل الجيش السوري؟

نقلاً عن مسؤول كردي هنا في برلين باتصال مع مركز فيريل للدراسات، أكد أنّ محادثاتٍ تجري مع الحكومة السورية لإرسال الجيش السوري وتسليمه النقاط الحدودية. الميليشيات الكردية تخلّت عن الكثير من شروطها السابقة يوم كانت تستندُ للدعم الأميركي، اليوم وحسب المسؤول الكردي ستوافق على رفع العلم السوري فوق المراكز الحدودية!. الحلّ الوحيد لمنع الهجوم التركي هو دخول الجيش السوري… لن نقدّم أيّ رأيّ من مركز فيريل بهذا الخصوص، فالقيادة العسكرية السورية أدرى بما يحدث على الأرض.

في الختام، قرار الولايات المتحدة بسحب جيشها من سوريا، قرارٌ قابل للطعن بطريق النقض. هناك حجج عديدة يمكن أن تلجأ إليها لتأخير هذا الانسحاب، أي الولايات المتحدة إن انسحبت، ستبقى في المنطقة وطائراتها جاهزة لشن العدوان، لأنها هكذا تأسست وهذا ستبقى…  الدكتور جميل م. شاهين. مركز فيريل للدراسات. برلين. 20.12.2018

You may also like