بوتين لنتنياهو: نصيحة، لا تهاجم سوريا. د. جميل م. شاهين




بعد الضربة التي وجهها الجيش السوري للغطرسة الإسرائيلية، نتيجة انتهاك طيرانها الأجواء السورية، بدأت تتسربُ بعض الحقائق عن أحداث سبقت الغارة، وفي أكثر من عاصمة عالمية كبرى. نتحدث اليوم عما وصلنا من موسكو، حول لقاء الرئيس الروسي بوتين  برئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو، الذي جرى في 10 آذار.

نتنياهو فأر تجارب لدى ترامب

الكاتبة الإسرائيلية شمريت مائير قالت أنّ لقاء نتنياهو بالرئيس الأميركي ترامب الذي جرى في منتصف شباط الماضي، كان مخصصاً للقضية الفلسطينية والدعم الأميركي لإسرائيل ولأمنها، وقد كان لقاءً هاماً. تلاه بعد أقل من شهر لقاء بوتين بنتنياهو، هذا اللقاء كان ضرورياً بل استثنائياً أيضاً لأمن إسرائيل، ولوضع ترتيبات معينة لحل الأزمة السورية، وسعي نتنياهو لمنع إيران وحزب الله من التمدد أكثر في سوريا. حمل معه نتنياهو طلباً كان تلقى ضوءاً أخضر عليه من واشنطن، عندما طلب من الرئيس الروسي موافقته على  ضربات لمقاتلي وقادة حزب الله في سوريا، وليس فقط ما تدّعي إسرائيل أنه قافلة تنقل أسلحة متطورة لحزب الله.

إلى هنا كان نتنياهو أكثر من متفائل بموافقة موسكو على هذا الطلب، معتمداً على التنسيق العسكري الذي حصل في زيارته السابقة لموسكو، بالنسبة لطيران البلدين في المناطق الحدودية بين سوريا وإسرائيل. كان هذا رأي صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية. يبدو أن هذه الطلبات كانت جسّ نبض لموسكو من قِبل واشنطن، وكان نتنياهو مجرد فأر تجارب، فما فعله في موسكو كان بنداً ضمن خطة ترامب التي ترمي لتحجيم إيران بإنشاء حلف خليجي ـ إسرائيلي مشترك، قد يتطور إلى اشتباكٍ عسكري تكون تل أبيب القائد الظاهر فيه، بينما واشنطن هي اللاعب الأساسي، أما دويلات الخليج فهي كالعادة المحرقة والممول.

واشنطن تتجنبُ أي احتكاك عسكري مباشر مع إيران، وتريدها أن تدخل في صراع لا نهاية له مع الدول الخليجية، وهذا أمر سهل ومفيد من كافة النواحي، أولها زيادة انتاج معامل الأسلحة الأميركية، وثانيها منع إيران من أيّ تواجد دائم في سوريا حتى إن كانت قاعدة عسكرية بحرية في اللاذقية، وعندما يكون الأمر كذلك سيُطبّقُ أيضاً على حزب الله بالنسبة لإسرائيل، التي لا تريد أيّ نصر للحزب على الإرهابيين، يزيد من قوته، فيصبح ليس مجرد مقاتلين يهددون حيفا، بل يهددون وجود إسرائيل.  حتى اللحظة؛ لا تأكيد رسمي سوري على قاعدة إيرانية، وكلها تسريبات لدبّ الرعب في قلوب الإسرائيليين والأتراك والأمريكان.

 

بوتين لنتنياهو: لا تهاجم سوريا

الذي ورد مركز فيريل للدراسات حول لقاء موسكو، أنّ اللقاء كان صادماً لنتنياهو الذي حاول أن يصطنع الابتسامة وهو ينظر للكاميرا مراراً، وهذا ما أكدته صحيفة “معاريف”: “هناك خلاف جوهري بين بوتين ونتنياهو”. ومما ورد مركز فيريل من موسكو ننشر التالي: “”تلى نتنياهو على بوتين من سفر زكريا الإصحاح 11  (زكريا 11: 1-3) من العهد القديم (افتح أبوابك يا لبنان، فتأكل النار أرزك.  ولول يا سرو، لأن الأرز سقط، لأن الأعزاء قد خربوا.  ولول يا بلوط باشان، لأن الوعر المنيع قد هبط). أصغى بوتين إلى أن قرأ نتنياهو: (لأنه قال الرب عن بيت مَلِك يهوذا: جلعاد أنت لي.  رأس من لبنان.  إني أجعلك برية، مُدناً غير مسكونة.  وأُقدِّس عليك مُهلكِين، كل واحد وآلاته، فيقطعون خيار أرزك ويُلقونه في النار). إر 6:22،7. هنا بدأ الملل يظهرُ  على بوتين، وفهم الذي يقصدهُ رئيس وزراء إسرائيل: “اغتيال قيادات حزب الله في لبنان”.

وكان جواب بوتين: “وهل تتحمل ردة فعل حزب الله؟”. الثابت لدينا أن نتنياهو سمع التالي من موسكو:

“”يلعبُ حزب الله دوراً حاسماً في المعركة ضد الإرهاب، وعندما تقصفه إسرائيل، فهذا يعني أنها تساعد الإرهابيين””!.

انتقل إلى سوريا، فطلب نتنياهو مساعدة بوتين بمنطقة عازلة ضمن الأراضي السورية محاذية للجولان المحتل، وهي تندرج ضمن بنود الخطة “Plan B” التي تحدثت عنها عضو الكونغرس الأمريكي Cynthia McKinney، ونشرت بعضها هآرتس. وأخيراً طالب نتنياهو بغضّ نظر روسيا عن هجوم إسرائيلي على الجيش السوري في عدة مناطق، منها محيط دمشق والقنيطرة وريف درعا، وطبعاً الحجة منع وصول شحنات عسكرية لحزب الله. هنا قاطعه بوتين قائلاً بهدوء: “لا أنصحك بمهاجمة الجيش السوري”.

فهِمَ نتنياهو رسالة بوتين، لكنّهُ وكي يثبتَ أنّ إسرائيل لا تملك دولة القدرة على الحد من غطرستها، قرر بعد عودته إلى تل أبيب مهاجمة الجيش السوري، فكانت ليلة 17 آذار عبارة عن جسّ نبض ورسالة لدمشق وموسكو بآن واحد، فجاء الردّ السوري الصاعق… وكان استدعاء السفير الإسرائيلي للمرة الأولى في موسكو، وبكلام واضح “اختراق”، حيث قال ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي البارحة الأحد: “طلبنا من السفير الإسرائيلي في موسكو توضيحات بشأن اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء السورية”.

تخبط وارتباك إسرائيلي، وتحدّ سوري

 بغضّ النظر عن الرعب الذي سببته الصواريخ السورية في صفوف المستوطنين، خاصة مع انطلاق صفارات الإنذار، فالتخبط بالتصريحات التي تراوحت بين التهدئة إلى التهديد، فوزير البناء والإسكان الإسرائيلي يوآف غالانت في حديثه للقناة الثانية الإسرائيلية، قال: “نحن لا نقاتل السوريين، بل نعمل كي لا يصل سلاح كاسر للتوازن إلى حزب الله عبر سوريا، وليس لنا أي شيء ضد السوريين”.

أمّا يديعوت أحرنوت فذكرت أمراً خطيراً: “في المرة القادمة عندما نهاجم سوريا، قد لا يقتصر الرد على السوريين، بل قد ترد روسيا”…!

يبدو أن هكذا تصريحات أظهرت ضعف الكيان، فحاول وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إعادة التوازن، قائلاً: “سوف ندمر منظومات الدفاع الجوي السورية، في حال عاودت دمشق إطلاق النار باتجاه الطائرات الإسرائيلية.”. الرد السوري جاء بسيطاً سلساً، حيثُ نشرت الإدارة السياسية في الجيش السوري صوراً تظهر أنظمة الدفاع الجوي من طراز “أس 200″، التي تصدّت للطائرات الإسرائيلية التي نفذت غارات على مطار تي فور قرب تدمر. لتطلع صحيفة يديعوت أحرنوت بعنوان بعد نشر الصور مباشرة: “سوريا تهدد سلاح الجو الإسرائيلي بقدراتها الدفاعية الجوية”. كلّ هذا يدل على مدى الارتباك من صورة!!

هل ستتصدى روسيا للطيران الإسرائيلي في سماء سوريا؟

عندما نقرأ تصريحات ليبرمان نرى أنه قال: “آخر ما تريده إسرائيل هو التوتر مع روسيا لكن أمننا فوق كل اعتبار”.. وقبله بنيامين نتنياهو: “سنمنع نقل سلاح متقدّم إلى حزب الله”، عندما تتوافر المعلومات الاستخبارية والجاهزية العملانية.”. إذاً يحسب الإسرائيليون حساب أي احتكاك مع الروس، لكن حسب رأي مركز فيريل: “كما تتجنّبُ إسرائيل أيّ توتر مع روسيا، فإن روسيا ستفكر كثيراً قبل أن تتصدى للطيران الإسرائيلي فوق سوريا، إلا إذا قصف هذا الطيران القوات الروسية.”.

الارتباك الإسرائيلي ليس فقط من روسيا، بل من الجيش السوري وهو ما قاله علانية البرفسور الإسرائيلي موردخاي كيدار: “لدى سوريا القدرة على المسّ بإسرائيل، ولستُ متأكداً من قدرة منظومات الدفاع الإسرائيلية على إيقاف الصواريخ السورية.”. الكلام الأخطر قاله: “بات للرئيس السوري بشار الأسد مصلحة الآن في تصعيد الأمور مع إسرائيل، لأنه عندها سيُدخلنا في مواجهة مباشرة مع إيران وروسيا”.

الأمور تحوّلت بشكل كامل منذ لحظة التصدي السوري لاعتداءات إسرائيل، وهي مرشحة للتصعيد، فالمعروف أنّ “لا تتحمل إسرائيل أية خسارة”. والذي جرى هو خسارة عسكرية والأهم معنوية، لهذا لا يمكن لها أن تصمت…

الكاتب الدكتور جميل م. شاهين 20.03.2017

مركز فيريل للدرسات ـ برلين