حريق سينما عامودا، حقائق تاريخية

تتبع مدينة عامودا للقامشلي، وتقع عند الحدود التركية السورية الحالية. التسمية آرامية. وقد أطلق عليها ملك ماردين هذا الاسم لأنه قام بتعليق حفيده الذي ولدته ابنته سِفاحاً على عامود حجري في المنطقة. أول مَن سكن المنطقة هم السومريون ثم الآشوريون 1365 قبل الميلاد، ثم مملكة الرها 232 قبل الميلاد. فيما بعد أصبحت ضمن ديار مُضر العربية، ولم تكن هناك مدينة قائمة بل قلاع وحصون عسكرية.

أول من بنى فيها منزلاً في العصر الحديث، هم الأرمن والسريان الفارين من مجازر العثمانيين عام 1891.

حتى عام 1926 حيث أصبحت القرية مركز ناحية بقرار من الاحتلال الفرنسي، كان نصف سكان عامودا من السوريين السريان وأكثر من 40% من السوريين العرب مع أقلية سورية كردية، والمدنية مقسّمة لجزأين؛ حيّ “المسيحيين” يتوسطه تل “شرمولا الآشوري” وهو مدفن للعائلات المسيحية، والباقي يسكنه العرب المسلمون والأقلية الكردية.

مع هجرة السريان وتوافد الأكراد الفارين من المجازر التركية، بدأ التغيير الديموغرافي لتصبح الأقلية الكردية أغلبية لاحقاً.

ما حقيقة حريق سينما عامودا 1960؟

في مثل هذا اليوم، مساء الأحد 13 تشرين الثاني 1960، اشتعلت النيران في سينما “شهرزاد” بعامودا مسببة سقوط عدد كبير من الضحايا.

في هذه الفترة كانت الحكومة الاتحادية العربية (مصر وسوريا) تجمعُ التبرعات لثورة الجزائر، فتمّ دعوة أطفال المدارس الإبتدائية لحضور فيلم ضمن حملة التبرعات. الفيلم كان “جريمة منتصف الليل” مصري من إنتاج 1947. انتشرت مئاتُ القصص معظمها مبالغٌ فيه وكاذب بشكل مفضوح، عدنا في مركز فيريل للدراسات إلى الملفات القديمة وشهادات ناجين من الحريق بينهم “صلاح الدين سيّد شاكر” و “حسن ألوجي”، فحصلنا على بعض الحقائق القليلة المتوفرة، الحقائق هي:

أولاً: الحادثة ناجمة عن احتراق محرك الفيلم القديم، بسبب طول فترة عملهِ في عروض متتابعة دون استراحة منذ الظهيرة حتى المساء. النيران انتقلت بسرعة إلى السقف الخشبي، وسببها الرئيسي الإهمال وسوء الإدارة والجشع من أصحاب السينما ومدير الناحية… وهناك خطأ آخر هو اختيار فيلم لا تُناسبُ أحداثهُ الأطفال نهائياً، ولعبت مشاهدهُ دوراً في زيادة اضطراب التلاميذ وعدم إدراك ما يحدث، حتى ظنّ كثيرون أنّ الحريق يدخل ضمن أحداث الفيلم!. الحديث عن مخطط جهنمي بأن الحادثة مقصودة، هو وهم وكذب والدليل قادم.

ثانياً: الحادثة جرت في عهد الوحدة بين سوريا ومصر عام 1960، أي لا علاقة ولا مسؤولية إطلاقاً لحزب البعث العربي الإشتراكي، أو للرئيس الراحل حافظ الأسد بذلك، لا من قريب ولا من بعيد كما يُحاول مزوّرو التاريخ قولهُ.

هذه هي شاشة العرض لسينما شهرزاد في عامودا. Firil

ثالثاً: السينما صغيرة وليس فيها مقاعد. شاهدوا الصورة… والحديث عن حشر 500 طالب فيها غير مقبول نهائياً ولا حتى في قصص الخيال العلمي!!. عدد الضحايا غير معروف بدقة، وحديثُ الكثيرين عن 283 ضحية هو كاذب دون أدنى شكّ. الطلاب كانوا من مدرسة الغزالي فقط ومنهم مَن دخل مع والده، وقد جاؤوا بعد طلاب مدرسة المتنبي ثم مدرسة عمار بن ياسر. السبب أنّ السينما لا تتسع لأكثر من 120 شخصاً جلوساً ووقوفاً وبطريقة الحشر. على فرض أنه تمّ حشر 200 طالب مع المدرسين في الصالة، كيف ذهب 283 طالب كضحايا؟!

صورة لكامل صاله سينما شهرزاد في عامودا بعد الحريق. هل يُصدّقُ عاقلٌ أنّ هذه السينما تتسع لـ500 شخص. من الصورة يمكنكم معرفة مساحة وحجم الصالة. FCFS.

رابعاً: لم يفرض المدرسون ولا مدير الناحية على أحد من التلاميذ شراء البطاقات، فبيع البطاقة كان أمام مدخل السينما مباشرة حسب شهادات الناجين من الحادثة. دور المُدرسين كان الترويج للفيلم لرفعِ قيمة التبرعات للثورة الجزائرية ليس أكثر.

خامساً: بطريقة إحصائية بسيطة، عدد الفئات العمرية دون الـ18 في مدينة عامودا عام 1960 كان 1,8 ألف نسمة. طلاب عامودا كانوا موزعين على 3 مدارس وعدد طلاب مدرسة الغزالي الإبتدائية كاملة لا يتجاوز 200 طالب. ابتدأ العرض منذ الظهيرة بالتتابع، دخل السينما تلاميذ الصفوف من الثالث إلى السادس مع المدرسين من مدرسة الغزالي، أي أقل من 100 تلميذ. أسماء وصور الضحايا كانت 36 فقط وُضعت على تمثال يُجسد المأساة جنوب عامودا آنذاك. بعد 2004 ارتفع عدد الصور والأسماء فجأة إلى 94 اسماً! من أين جاءت هذه الصور والأسماء الباقية!!؟ رغم ذلك رقم 36 أيضاً لا نثقُ به في مركز فيريل وغالباً هو أعلى بقليل.


سادساً: المأساة غير مخطط لها كما يريد تصويرها “الكذبة” لاستغلال نفوس الجهلة. كذلك الأمر بالنسبة لحشر اسم عبد الحميد السراج وزير الداخلية، ومدير ناحية عامودا آنذاك مصطفى شعبان. الجاهل الذي يحشر هذه الأسماء وبنفس الوقت يتهم حزب البعث، لا يعلم أنّ السرّاج هذا من ألد أعداء البعث، وكان مطلوباً للدولة السورية بعد عام 1963 ومات في مصر. حسب إفادة “حسن ألوجي”؛ شاركت الشرطة في محاولة إطفاء الحريق وأصيب يومها شرطيان.

سابعاً: الضحايا كانوا تلاميذ سوريين من السريان والعرب والأكراد… وليسوا فقط أكراداً كما يحاول كثيرون تصوير ذلك. كمثال؛ من بين الضحايا “منير عبد الأحد حنا عازار” مواليد 1948. وهناك ضحايا من أبناء مسؤولين في “الجمهورية العربية المتحدة” كمثال؛ ابن رئيس مخفر عامودا.

ثامناً: المحامي حسن دريعي الناجي من الحريق وفي كتابه “عامودا تحترق” بجزأيه الأول والثاني، قال حرفياً: (لست موافقاً على موضوع المؤامرة هذا، وكلنا نعرف بأن ابن رئيس المخفر قد استشهد أيضاً في السينما وأنا مع مقولة التسبب لاغير)…

ختاماً

لاشكَ أنّ حادثة سينما عامودا مأساة سببها الإهمال والجشع والفساد ليس أكثر. عملية تحميلها أكثر مما تحتمل هي طريقة مبتذلة لا تمرّ سوى على الجهلة. الضحايا، نؤكد ثانية، كانوا أطفال عامودا “السوريون”. المُذنب هو صاحبُ السينما ومدير الناحية الذي تقاسم الأرباح معه. التحقيق في القضية جرى لكن بسرعة دون تحميل أحد المسؤولية بسبب الفساد. فسادٌ آخر جاء بعد صرف الحكومة مبلغ مليون ليرة سورية “آنذاك” لأسر الضحايا. هبّ العقيد (فرحان الجرمقاني) قائد موقع القامشلي للجيش إلى عامودا للتحقيق في القضية والإشراف على توزيع الأموال… المليون ليرة سورية اختفت واختفى معها العقيد فرحان الذي تبيّن أنّه يقوم بتأمين تهريب اليهود من مدينة القامشلي عن طريق نصيبين إلى تركيا ثم إلى فلسطين… مركز فيريل للدراسات. 13.11.2019