ثقافي سياسي

سوريا بخير؛ إذاً… مصر بخير الدكتور جميل م. شاهين

single-image

ارتبط مصير بمصر بمصير سوريا منذ آلاف السنين، فعندما تعاني سوريا من ويلات الحروب أو الكوارث، تُعاني مصر منها لاحقاً، والعكس صحيح. وقد أدرك ذلك الفراعنة، ولم يدركه أبناء العصر الحالي! في نشيد أخناتون للإله “أتون” يقول:

“في سُوريا والنوبة وأرض مصر، تضعُ يا إلهي أتون كلّ شيء مكانه، أنتَ الذي تمنحُ سوريا والنوبة ومصر‏، كلّ الأراضي التي تحتاجها، وبمشيئتك أيها الإله أتون، خلقتَ الأرض والإنسان والحيوان وجميع الخلائق، كما خلقتَ أرض سوريا وأرض مصر… أنعم يا إلهي على سُوريا كما أنعمتَ على مصر…”.

تخيّلوا أنّ هذا النشيد عمرهُ 3361 عاماً! فماذا عن أناشيد اليوم؟

حقيقة عمرها 3361 عاماً على الأقل، أدركَها الفراعنة، والآشوريون، والفينيقيون، وكافة الحضارات التي جاءت بعدهم، وعملوا على وحدة هاتين الدولتين عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وحتى اجتماعياً. وعندما أقول مصر أعني وادي النيل كاملاً، وسوريا أعني سوريا من آروميا إلى أرض القمر.

عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، عندما تتحد أو تتقارب مصر وسوريا، تكثر الأعداء التي تحاول التفريق بينهما، دام الاتحاد فترات طويلة في الماضي، أما في العصر الحالي فلم يدم سوى سنوات قليلة، لهذا نرى أنّ أيّ اتحاد سيعقبه حروب خارجية أو داخلية ضد هاتين الدولتين. اليوم سوريا وغداً… مصر.

عندما تقاربت مصر وسوريا، حدثت حرب تشرين 1973 وكانت أول انتصار على إسرائيل، ومر البلدان بأفضل فترة منذ أربعين عاماً، بما في ذلك على الصعيد الاقتصادي تلاها تباعد كبير بعد زيارة السادات للقدس، ثم عزلة مصرية لسنوات، فتحسنٌ بسيط في أوائل التسعينات، ليعود الانحدار من جديد بسبب سوء العلاقات بين الدولتين، وتصل الأوضاع إلى نقطة حرجة وبداية كارثة ستطالهما، أولها التقسيم.

التقسيم يُخطط له ليس فقط في سوريا، بل في مصر أيضاً، والمشاركون هم العرب والأتراك أولاً وثانياً، وبشكل أدق الأخوان المسلمون.

الأخوان المسلمون أخطر اختراع أنتجته بريطانيا برعاية آل سعود، ولو أنّ حكمهم بزعامة “العيّاط” استمر في مصر، لكانت الأمور أسوأ في سوريا. أدرك وطنيو مصر ذلك، فسارعوا للتخلص منهم، لكنهم لم يستطيعوا الخروج من تحت عباءة مشيخات الخليج لأسباب اقتصادية أولاً. الأسباب الاقتصادية ازدادت تأزماً واستغلال زعماء الخليج ونذالتهم مع مصر، هي اليوم بأوضح صورها، من السعودية إلى الكويت إلى الإمارات إلى قطر.

مصر رفضت التصويت لصالح قرار فرنسي ضد سوريا، ومصر أيضاً رفضت المشاركة أو تقديم تسهيلات لضربة عسكرية للجيش السوري، يمنح هذه الضربة غطاء عربياً يُماثل الغطاء الذي أعطي لتنفيذ المجازر في اليمن بأيد عربية مسلمة. 

لكن هل وقفت القيادة المصرية الحالية فعلاً بجانب سوريا؟ وهل قدّمت ما تفرضهُ عليها وحدة المصير من دعم؟

 

القاعدة التي نتعامل بها في مركز فيريل للدراسات تقول:

“في كل مصيبة تحصل في الشرق الأوسط، فتّش عن السعودية وتركيا، ثم… إسرائيل.”.

إسرائيل تُحرّك أذنابها في الرياض وأنقرة، وهؤلاء يضخون الأموال والإرهابيين، لهذا عقاب مصر بدأ اقتصادياً، ثم أمنياً، والذي ينتظر القاهرة كثير، فتحريك الإرهابيين بدأ منذ سنوات، لكنه سيزداد مع التقارب المصري الروسي، والمصري السوري، والرياض وأنقرة تحركتا بوقاحة، وهل هناك وقاحة أكثر من تهديد آل سعود:

“شرطنا الوحيد لعودة العلاقات مع مصر، هو الإفراج عن مرسي وجميع المعتقلين.”!. كان هذا قبل سنتين، اليوم تضعضع الموقف السعودي وباتت الرياض بحاجة لرضى دمشق بعد حصارها من قبل الغرب وانتصار تركيا في قضية خاشقجي.

بنفس الوقاحة طلع علينا أيردوغان ليقول:

“مرسي سيعود إلى الحكم، سلطاناً على مصر.”!.

لن أنسى الإمارات التي استقبلت المعارضين المصريين “الفاسدين”، الذين فروا بأموالهم التي جمعوها من خبز الشعب المصري، بينهم بحثت عن بديل للرئيس المصري، ولم تجد، فهل خُدع المصريون مرات؟ دويلات عمرها 80 عاماً، تفرض إملاءاتها على حضارة عمرها 5000 عام، إنها الوقاحة بعينها.

للأسف نقول: “مصر قصّرت كثيراً بحق سوريا في أزمتها، وانحازت إلى جانب أعداء دمشق، فهل استفاقت الآن؟”.

يعلم وطنيو مصر ذلك وعلى رأسهم قادة الجيش المصري، لكن الأهم أن يعرفه القائمون على السياسة المصرية، عندما تنتهي الحرب في سوريا، عندها فقط ستكون مصر… بخير. الدكتور جميل م. شاهين مركز فيريل للدراسات. 

 

You may also like