أبحاث أخبار

ماذا جرى شمال روسيا؟ الدكتور جميل م. شاهين

single-image

إنفجار حصل يوم الخميس الماضي أثناء تجربة صاروخ روسي، تسبب بتسرب نووي شغل وسائل الإعلام العالمية بشكل مُتعمّد. فما الذي حدث ولماذا هذه الضجة الإعلامية الكبيرة؟

منطقة عسكرية روسية مُغلقة تماماً، يتواجد فيها عدد محدود من الخبراء العسكريين وبعض الجنود، تقع في أقصى الشمال الروسي وتبعد حوالي 980 كلم عن موسكو، و 250 كلم عن الحدود الفنلندية. تبعد عن مدينة #Severodvinsk حوالي 35 كلم، والتي يبلغ عدد سكانها 180 ألفاً. أجرت روسيا في هذه المنطقة تجربة إطلاق صاروخ جديد، التجربة كانت فاشلة وتسببت بانفجاره وتسرّب إشعاع نووي لمسافة وصلت إلى 30 كلم بمستويات متباينة بعضها خطير تبعاً للمسافة، لكنّ التسرب كان محدوداً وقد تمت السيطرة عليه. ليتولى الإعلام الغربي تضخيم ما جرى مقارناً بكارثة تشرنوبل 24 نيسان 1986! وهنا لا يمكن المقارنة نهائياً.

ما هو الصاروخ وما نوعهُ؟

الجميع يتذاكى ويؤكد معرفتهُ بما جرى، وعلى رأس “الأذكياء” دونالد ترامب الذي غرّد كعادته قائلاً: “إن الولايات المتحدة تتعلم الكثير من الانفجار في ضواحي مدينة سيفيرودفينسك… إنّ إنفجار سكايفول الروسي أثار قلق الناس بشأن الهواء المحيط بالمنشأة وما بعد ذلك. هذا ليس أمراً جيداً!”. وكأنّ ترامب يعرف ما هو Skyfall

لقد ذكرنا على صفحة مركز فيريل للدراسات أنّ الصاروخ من نوع Burevestnik 9M730، وهو ما يُسميه الناتو سكاي فول، وقلنا نوع الصاروخ حتى الآن افتراضي… وسيبقى افتراضياً حتى لدى المخابرات الأميركية، وحديث واشنطن أنها تملك معلومات عبر الأقمار الصناعية هو خداع لا أكثر، فالقمر الصناعي يمكنهُ كشف رقم لوحة السيارة، لكنه لا يستطيع تحديد نوع محركها، ويمكنه معرفة مستوى الإشعاع النووي في منطقة ما، لكنه لا يستطيع تحديد مصدره.

قول واشنطن أنّ: “الولايات المتحدة تملك تقنيات مماثلة لكنها أكثر حداثة”، غير صحيح، فقد جربت الولايات المتحدة تكنولوجيا مماثلة على مدى 30 عاماً، لكنها تخلّت عنها لأن محركات الصواريخ التي تعمل بالطاقة النووية تكون غير مستقرة، وعلى فرض أنّ هذا الذي حدث، فالروس مصرّون على إنجاح التجربة…

ما نملكهُ من معلومات وتحليلات بمركز فيريل للدراسات أنّ روسيا قامت بتجربة سلاح جديد خطير وبتقنية غير معروفة، التجربة كانت فاشلة، لكنها فتحت الباب أمام تدارك الخطأ الذي وقع.

في تموز 2015 عرضت روسيا أول بطارية نووية عادية في العالم، تعتمدُ على “أشعة بيتا” التي تؤدي لإشعاع نظير النيكل 63 لتوليد الطاقة الكهربائية التي تشحن الأجهزة الالكترونية على مدى 50 عاماً! فهل يكونُ الإنفجار الذي حصل ببطارية نووية تزود الصاروخ الروسي، كما قالت وسائل إعلام غربية؟. هذا يسبب قلقاً في الناتو طبعاً لأنه سيكون تطوراً خطيراً. بعد الإنفجار اعترفت Rosatom  وهي شركة الطاقة النووية الحكومية الروسية، بأن الاختبار تضمن “مصدراً للنظائر المشعة للطاقة”، بينما علّق بعض العاملين في الشركة على صحيفة  Fontanka “بطارية نووية“.

الحديث عن إنفجار هائل وتسرب شعاعي خطير، غير صحيح، فسكان قرية نينوسكا مازالوا أحياء… المؤكد سقوط عدة ضحايا بموقع الإنفجار حسب اعتراف السلطات الروسية، أما عملية إجلاء سكان قرية صغيرة تدعى Nynoksa الواقعة جنوب الموقع بـ 4 كم فقط، فهو غير دقيق، حيث يقوم الجيش الروسي بإجلاء السكان قبل كل تجربة صاروخية لعدة ساعات. وقد ألغى الجيش التجربة المقررة اليوم بسبب الحادث. التسرب حدث ووصل مدينة Severodvinsk الواقعة شرقي الموقع بـ 29 كلم، والسبب هو الرياح الغربية، لكن هذا التسرب الإشعاعي عاد اليوم الأربعاء لمستوياته شبه الطبيعية.

من هي الدولة صاحبة أكبر عدد من الحوادث النووية؟

من الطبيعي أن يُجيبَ العامة أنها روسيا أو الاتحاد السوفيتي، لأنهم يعتمدون في معلوماتهم على وسائل إعلام غربية وحتى مسلسلات تلفزيونية! وآخرها مسلسل تشرنوبل الأميركي البريطاني. جاء الإنفجار الأخير ليؤكد لهم صحة معلوماتهم، فيُحلّقُ البعض بخيالهم “العلمي” متحدثين عن وصول التسرب الإشعاعي إلى مناطق بعيدة كأوروبا والشرق الأوسط، وهذا كلام طفولي لا يستحق التعليق. بينما سخر كثيرون من عزم روسيا بناء مفاعل نووي في مصر…

إليكم هذه المعلومات المُسجلة في هيئة الأمم المتحدة ومراكز حظر التجارب النووية؛ على مستوى العالم؛ كان هناك قرابة 100 حادثة تسرب أو إنفجار نووي حتى عام 2009. أحصينا في مركز فيريل للدراسات وقوع 108 حوادث حتى عام 2019، سواء كانت عسكرية أو مدنية، وهي التي تسببت بخسائر بشرية ومادية. هذا الرقم قابل للزيادة لأنّ حوادث جرت لم يتم الكشفُ عنها وبقيت طي الكتمان.

أحصى مركز فيريل للدراسات واستناداً لاعترافات الولايات المتحدة وقوع 56 حادثة منها في الولايات المتحدة نفسها، أي 51,8% من الحوادث النووية، وبالتالي تكون الولايات المتحدة الأميركية صاحبة المركز الأول… تليها روسيا وليس كما يتخيل كثيرون. بلغت خسائر الولايات المتحدة نتيجة تلك الحوادث حوالي 23 مليار دولار، وتسببت بخسائر بشرية أيضاً نتيجة انفجارات وانهيارات وحرائق وفقدان سائل التبريد، أثناء التشغيل العادي أو بسبب الكوارث الطبيعية كالزلازل.

أول حادثة نووية في العالم كانت بتاريخ 29 تشرين الثاني 1955، في محطة EBR-1 بانصهار نواة مفاعل التوليد رقم 1، في Idaho Falls بالولايات المتحدة. ثم توالت الحوادث وبشكل سنوي تقريباً، ليأتي عام 1982 مُسجلاً 5 حوادث في مفاعلات نيويورك ثلاث مرات، كاليفورنيا، وكارولينا الجنوبية. كذلك سجل عام 1996 أيضاً 5 حوادث.

من أشهر الحوادث، حادثة جزيرة Three Mile Island، بمدينة Middletown بولاية Pennsylvania ففي 28 آذار 1979، وخلال زيارة للرئيس الأميركي جيمي كارتر، حدث عطل في المشغّل الرئيسي أدى لفقدان سائل التبريد فانهار مفاعل الماء المضغوط في الوحدة رقم 2، وتمّ إجلاء الزوار وعلى رأسهم الرئيس السابق كارتر. حدث تسرّب إشعاعي ولم تستطع السلطات المختصة حلّ المشكلة إلا بعد خمسة أيام أخليت فيها المنطقة والمدينة من سكانها، واستمرت عملية التنظيف 14 عاماً… تحدثت وسائل إعلام عن عدة ضحايا، كما أظهرت الفحوصات والحوادث الطبية ازدياد حدوث إصابات بالسرطان لدى السكان، وقدرت التكاليف بـ 2,4 مليار دولار، ورغم التعتيم الإعلامي عما جرى، إلا أنّ المظاهرات عمّت الولايات المتحدة وأوروبا… وانتهت الحادثة دون ذكر لها…

مغادرة جيمي كارتر لمنطقة التسرب الإشعاعي 1979

آخر الحوادث التي أعلنت عنها الولايات المتحدة كانت في تموز 2016 بمدينة Bridgman ولاية ميتشغن. حيث حدث تسرّب شعاعي في محطة D.C. Cook النووية.

مظاهرات في الولايات المتحدة بعد حادثة التسرب 1979

ختاماً

تبقى حادثة تشرنوبل أسوأ كارثة تسرب إشعاعي نووي، بينما قنبلة نازغازاكي وهيروشيما أسوأ قصف جوي تشنه دولة نووية ضد مدنيين… في الحالتين؛ يحملُ السلاح النووي والمفاعلات النووية مخاطر جسيمة قد تتجاوز فوائدها، وتبدأ بضررها بمَن يمتلكها ويُخزنها.

لن تكون حادثة انفجار الصاروخ الروسي، الحادثة النووية الأخيرة، ولن تتوانى واشنطن عن استغلال أية حادثة للنيل من روسيا لإقصائها عن ساحة المشاريع النووية وأولها مشروع الضبعة في مصر. إنه سلاح الإعلام الذي يعادل السلاح النووي، وخاسرٌ مَن لا يمتلك إعلاماً ناجحاً. الدكتور جميل م. شاهين. مركز فيريل للدراسات. 14.08.2019

You may also like