ماذا يُخطط لحي مزة 86؟

عندما يتمّ بناء مساكن عشوائية بدون رخص رسمية من الدولة، هل نُلقي اللوم والمسؤولية على أصحاب المساكن تلك فقط؟. هل نزل هؤلاء من “المريخ” وقاموا بالبناء دون أن يراهم أحد؟ ماذا كانت تفعل دوريات البلدية ورجالها ورئيسها بعد “شوفة الخاطر”؟ وكلّ شيء بثمنه، فبناء غرفة له سعر والتعدي على الشارع له سعر أعلى و… حفر الأنفاق الذي جرى في محيط دمشق على مرأى من عيون البلديات، له سعر أيضاً…

هل يبني مساكنَ عشوائية سوى الفقراء؟ هل شاهدتم ثرياً يبني غرفة فوق السطح ليأوي أطفاله؟… المسؤولية تقع على عاتق المحافظة أولاً ومعها الحكومة “الرشيدة” قبل أن نُهاجم أصحاب تلك “الأكواخ” الفقيرة. هذا يحصل وحصل في عشرات المدن والأحياء في سوريا. وصلتنا عشرات الشكاوى من حلب وحمص ودمشق حول قيام المحافظة بتوجيه إنذارات هدم أو وضع إشارات كونها وضعت مخططاً للسكن البديل أو الإخلاء بدون سكن أي سيصبح أصحابها في الشارع… التعويض؟ على الله…

مخطط صناعي رقم 104 في القابون يمكن الاعتراض عليه خلال شهر لتعديله. لن نُشكك في مركز فيريل للدراسات بخطة المحافظة، وإعادة تنظيم المناطق العشوائية أمرٌ ضروري ولو كان متأخراً كثيراً. نائب رئيس المكتب التنفيذي بمحافظة دمشق الدكتور أحمد نابلسي أكد قبل أسبوع المخطط، مع تمنياتنا أن يتم التنفيذ بسرعة وبنزاهة.

أيضاً المحافظة تُخلي مقاسم في “اللوان” كفر سوسة، لتنفيذ السكن البديل بسعر “التكلفة” لمستحقيه، ضمن المشروع 66. المهندس جمال يوسف قال أنّ المنطقة التنظيمية الثانية لم يتم إخلاؤها رغم توجيه الإنذارات، والإخلاء سيكون تدريجياً حسب عدد المقاسم التي سيتم التعاقد عليها مع الشركات التي ستنفذه. تكلفة السكن حسب المهندس جمال هي 280 مليار ليرة سورية لـ4700 شقة مع 100 مليار بنى تحتية. بحساب بسيط، نجد أنّ تكلفة بناء الشقة هي أكثر من 80 مليون ليرة سورية… وعلى الشاري دفع 15% من قيمتها في البداية، أي بين 10 و15 مليون ليرة سورية… المشروع هذا قيد التنفيذ منذ 2012 ويتم ترحيله من سنة لأخرى.

ماذا عن مزة 86؟

هواجس ومخاوف كبيرة لدى أهل الحي وحي عش الورور بدمشق، والسبب الرئيسي انعدام الثقة بين المواطن والحكومة. فأيّ إجراء حكومي، يُنظرُ إليه بعين الشك، والسوابق كثيرة ولا يمكن لوم هذا المواطن… من الشكوك الكبيرة الآن “التعهد الخطي”، فما قصتهُ؟ حسب مُبررات محافظة دمشق: “الهدف هو الحد من انتشار المزيد من السكن المُخالف في المناطق العشوائية”.

المكتب التنفيذي في محافظة دمشق وعلى لسان المهندس شادي سكرية في تصريحه لجريدة الثورة، قال: “تم مؤخراً إلزام أصحاب المنازل الجديدة في المناطق المخالفة في مزة 86 ودمر، بكتابة (تعهد خطي) عند كاتب العدل في حال تركيب جديد لعدادات المياه والكهرباء بهدف ضبط حركة البناء فيها، يتعهد فيه المواطن بعدم مطالبة المحافظة بأية حقوق تترتب على عملية التركيب الجديدة، بعد أن كانت المحافظة أصدرت سابقاً قراراً بمنع منح أي موافقة جديدة للتركيب فجاء هذا التعهد لتسهيل أمور المواطنين.‏”. سكرية أضافَ أنّ ما يشاع حول عدم أحقية مالك المنزل بأي تعويض في حال لحق ضرر بالمنزل، ما هو إلا إشاعات وعار عن الصحة ولا يؤثر أبداً على حركة البيع والشراء فيها، حيث تتم الإجراءات كالمعتاد في تلك المناطق بالنسبة للمنازل ذات العدادات القديمة، مشيراً إلى أن هذا التعهد الخاص بتركيب العدادات “المياه والكهرباء” سيتم تعميمه على جميع مناطق المخالفات في دمشق.‏ كلام نظري جيد يا محافظة دمشق ومَن وراءها…

هذا هو كلام المحافظة، ماذا يجري على أرض الواقع؟

بعد أن قام مركز فيريل للدراسات بزيارة حي مزة 86 وسأل عدداً من سكانه عما يجري، ولم نقتنع بما نُقل على الصفحات لأنها وحسب المحافظة “إشاعة”… وصلنا لما يلي:

صورة للتعهد الخطي بعد حذف الأسماء كما طلب صاحبهُ. فيريل للدراسات

تمّ اختيار حي مزة 86 للبدء بالتعميم كأول حي في دمشق، وحسب كلام محافظة دمشق قبل سطور، أي أنّ هذا التعميم لم يجرِ سابقاً… يبدو أنّه على سكان حي مزة 86 أن يكونوا في الواجهة دائماً، فبعد أن قدموا مئات الشهداء، تريد المحافظة “مشكورةً” تقديمهم كنموذج بالالتزام بالقرارات وتنفيذها، فهم قدوة حسنة… في الشهادة وإخلاء المنازل! والتعويض على الله. السؤال: هل سيحصل المتضررون على 20% من السعر الذي تحدثت عنه محافظة دمشق حول تكلفة بناء شقق “مشروع الرازي 66” أي بضعة ملايين، أم سيكون 200 ألف ليرة سورية، وصلى الله وبارك؟!!

سألنا السكان وبعض المطلعين عن سبب التعهد؟ فكانت الإجابة: “لمنع تكرار ما حدث الشتاء الماضي في البناء الطابقي الشهير الذي تمت ازالته في حي مزة 86 مدرسة، بحجة أنه مهدد بالانهيار!”. المحافظة تخاف على مواطنيها وهذا طبيعي… طالبَ سكان البناء بتعويضات عن مساكنهم التي هُدمت، فوعدتهم محافظة دمشق خيراً وفي القريب العاجل. بحثنا عمن تمّ تعويضه… ومازلنا، فإن كان هناك مَن حصل على تعويض فليخبرنا كم كان هذا التعويض؟ أيكفي أجرة شهر لمنزل آخر. ودعونا نرى ماذا سيحدث في قطعة الأرض التي نتجت عن هدم البناء، خاصّة وأنها مجاورة لروضة أطفال… ربما هذه الروضة بحاجة للتوسع…

إجابة جديدة عما قامت به محافظة دمشق تقول: “الغاية هي ضبط أسعار العقارات في المنطقة وكبح جماح ارتفاعها!؟” وكأن عقارات مزة 86 تُباع في بورصة نيويورك… ماذا عن ضبط أسعار العقارات في الأحياء الأخرى؟ اعذرونا نسينا أنّ محافظة دمشق تريد أن يكون مزة 86 قدوة حتى في ضبط الأسعار. أمرٌ آخر؛ أعلنت المحافظة، مشكورة، عن غرامات على من يضع الجنازير المعلقة على قطع حديد منتصبة في شوارع الأحياء لحجز مكان لركن السيارات، وكل شيء على ما يرام.

لن نُخمّن السبب الحقيقي لقرار محافظة دمشق، رغم تسريباتٍ وصلتنا عن قرار المحافظة بطرح مشروع تنظيم قريب للحي وهدم المخالفات… لكن هذا الاهتمام المفاجئ مقارنة بشح الخدمات المقدمة لحي مزة 86 و “عش الورور”، يدفعنا للتساؤل: “ما هو المخطط؟

أخيراً وللمعلومات: حُكم على مسؤول في حي مزة 86 بالسجن… أمضى فيه أكثر من عام. منصب هذا المسؤول بقيَ شاغراً طوال فترة سجنهِ وكأنه محجوز له حصرياً، ليعود إلى منصبه بعد خروجه!