من كريستوفر كولومبوس إلى هيلاري كلينتون. مركز فيريل للدراسات ـ برلين د. جميل م. شاهين

كتب كريستوفر كولومبوس في مدوناته البحرية، أنّ أول أهداف رحلته غرباً 1492 لإيجاد طريق آخر نحو الهند هو الشهرة والثراء، وحتى عندما وقّعَ معهُ الملوك الاسبان اتفاقية منحهِ رتبة أمير البحار والمحيطات، كان أهم بنودها: “يمنح كريستوفر كولومبوس 10% من الذهب والبضائع التي سيحضرها معه”. مات كريستوفر عام 1506 وهو يظن أنه وصل إلى جزر الهند الغربية، إلى أن جاء أمريكو فيسبوشي ليؤكد أنّ ما اكتشفه كريستوفر كان قارة جديدة سميت باسمه، أميركا. هكذا بدأت الحضارة الأمريكية، بهدفين أساسيين: الشـهرة والثــراء، ومازالت. قامت على أيدي قراصنة البحار، وأصحاب السوابق والسجناء والمطلوبين الذين فروا من بلادهم، ثم جاء المستعمر الأوروبي بجيوشه ليرتكب أبشع المجازر، في المرحلة الأخيرة، ابتدأت هجرات الجماعات التي مورست بحقها عمليات التطهير العرقي والإبادة، ومنهم ملايين من سوريا الكبرى.

عندما ألقيتُ منذ سنوات محاضرة عن سوريا في مركز دراسات مدينة بوسطن، سألني أحد الطلاب عن رأيي بوضع سوريا على قائمة الإرهاب، فقلتُ: “ومَنْ يضع هذه القائمة؟”. أجاب: “الولايات المتحدة.”. سألتُ: “ومَنْ وكّلَ الولايات المتحدة لتقوم بذلك؟” أجابَ بفخر أجوف: “تقوم بذلك بصفتها أمّ العالم. USA is the mother of the world.”. أميركا أمّ العالم؛ هكذا يُعلّمون طلابهم وأطفالهم، ويعلمونهم أيضاً أنّ الكرة الأرضية قسمان: أميركا، وما وراء البحار.

دون شك، وكي أكون عادلاً فيما أكتب؛ فالولايات المتحدة هي الأولى في عدد الاكتشافات والاختراعات، والسبب هو سياسة ذكية في جذب العقول والخبرات بترغيب أو بترهيب، عن طريق منحهم امتيازات ومجالات إبداع لا تؤمنها لهم بلادهم الأصلية. وهي صاحبة أكبر قوة عسكرية، وأكبر اقتصاد “وهمي” أيضاً. لكن بالمقابل؛ دولة تنفـردُ بصفـات وتاريخ وسلوك لم تفعلهُ من قبلها دولة أو امبراطورية أخرى في العصر الحديث، فتتساوى بذلك مع امبراطوريات القرون الوسطى والقديمة بنواح، بينما تتجاوزها بنواح أخرى:

ــ الولايات المتحدة أكبر مولد للطاقة وأكثر من يهدر الطاقة بنفس الوقت. وأضعها بالمرتبة الأولى قبل الصين، بالنسبة للتسبب بتلوث البيئة، كونها الأسبق صناعياً بعشرات السنين، وهي أول المسببين لثقب الأوزون. بالإضافة لبرامجها في السيطرة على المناخ “هارب”.  http://firil.net/?p=674

ــ تمتاز الولايات المتحدة بالقوة الوهمية الخادعة المترافقة بالغرور، حتى باتت بنظر شعبها وشعوب الأرض، القوة التي لا تقهر وصاحبة جيش لا يعرفُ الهزيمة، وهذا كلهُ وهم كبير، صحيح أنّ الولايات المتحدة دمرت دولاً  كاملة، لكنها لم تربح حرباً منذ الحرب العالمية الثانية.

هارب؛ بين موسكو وواشنطن. بحث من مركز فيريل للدراسات ـ الجزء الأول. الدكتور جميل م. شاهين

ــ عبودية بطاقات الائتمان، بالإضافة لعبودية الزنوج للعرق الأبيض، هناك عبودية الفرد لرأس المال، فالمواطن الأميركي عبدٌ للبنوك ولبطاقات credit card، فالحصول على القروض سهل ومتيسر لكل أمريكي، وسبب دين معظم الأمريكيين هو بطاقات الائتمان، والتي باتت سر الحياة هناك، وهذا قمة التفكير الكارثي لديهم، لدرجة أنّ 26% من الشعب الأميركي لا يملك 10 دولارات في جيبه، ويرزح تحت ديون، يموت قبل أن يسددها.

ــ الولايات المتحدة بلد نشأت على إبادة عرق بكامله، حيث قام المستعمرون الأوروبيون بأكبر مجزرة شهدها التاريخ، فقتلوا 80 مليون هندي أحمر، مستخدمين كافة الأسلحة بما في ذلك السلاح الجرثومي، فقام القائد العسكري الإنكليزي “جفري أمهرست” بتقديم البطانيات كهدايا وقف اطلاق النار مع الهنود، هذه البطانيات كانت ملوثة بفيروس الجدري، بعدها نشر المستعمرون الإنفلونزا والحصبة والكوليرا، تسببت هذه الطريقة الخبيثة مثلاً بقتل 90% من السكان الأصليين لمستعمرة ماساتشوستس. استمرت الوحشية عندما أصدرت السلطات الاستعمارية قراراً بتخصيص مكافأة مقدارها 40 جنيهاً، لكل فروة مسلوخة من رأس هندي أحمر، و40 جنيهًا مقابل كل أسير، فانتشر صيادو فروات الرأس في كافة أصقاع الولايات المتحدة، كمثال: Lewis Wetzel سفاح إنكليزي عاش في فيرجينيا، يفتخر أنه في عام 1801 كان يقتل 1100 هندي أحمر في الشهر. لويس هذا هو بطل تاريخي في الولايات المتحدة. بطل تاريخي أمريكي آخر، لكن هذه المرة هو الرئيس الأميركي السابع أندرو جاكسون 1829، والذي توجد صورته على ورقة العشرين دولار، كان يستلذ بقطع أنوف الهنود الحمر، ويقوم بنفسه بعدّها، حيث وصل ذات مرة إلى الرقم 800 أنف هندي أحمر.

ــ الولايات المتحدة الأولى بعدد الذين تسببت بقتلهم، فبالإضافة للهنود الحمر، قتلت وتسببت بقتل عشرات الملايين في حروبها التي لا تنتهي، وهي صاحبة أعلى رقم بقتلها 220 ألف ياباني خلال 24 ساعة، بقصفها مدينتي ناغازاكي وهيروشيما بالقنابل النووية 9 آب 1945.

ــ صحيح أنّ الدعــارة أقدم مهنة، لكن الولايات المتحدة هي التي نشرتها عبر آلاف الأفلام الإباحية، والمواقع الالكترونية، ودور الدعارة. ففي مانهاتن وحدها عام 1807 كان هناك 200 بيت دعارة، وفي عام 1836 كان 75% من رجال نيويورك مصابين بأمراض جنسية، وفي عام 1858 كان دَخل الولايات المتحدة من الدعارة 6,3 مليون دولار، وهو يفوق دخلها من النقل البحري وصناعة الخمور معاً. استخدمت العاهرات لترفيه الجيش الأميركي في القرن التاسع عشر من قبل الجنرال جوزيف هوكر، فسميت العاهرة مذ ذاك الحين بالهوكر. قد يكون هيرودوس أشهر مَنْ فُتن برقص التعري عند قطع رأس يوحنا المعمدان. عُرِف هذا الرقص عام 1720 في مدينة كولن الألمانية، لكنه لم يكن إلا للملوك والأثرياء، ابتداءً من عام 1881 بات رقص الأقفاص والتعري striptease مرخصاً رسمياً في ولاية أريزونا الأمريكية، ويمكن لعامة الشعب مشاهدته. هذا عدا عن تشجيع الشذوذ الجنسي، وزواج المثليين.

ــ الشعب الأميركي مُصابٌ بهوس الاستهلاك، فهو يستهلك كل شيء، وشعب الوجبات السريعة، كمثال: مساحة البيتزا المستهلكة سنوياً في الولايات المتحدة يساوي مساحة البحرين، ويوازي ميزانية كازخستان. نتيجة ذلك هي أنّ 32% من الشعب الأميركي يعاني من السمنة، وتقبع في المرتبة الثامنة عالمياً حيث كانت الثالثة عالمياً قبل سنتين بعد الكويت والسعودية، ويموت بسبب ذلك 400 ألف أميركي سنوياً.

ــ الولايات المتحدة أكثر بلد أسس ورعى المنظمات الإرهابية والمتطرفة، وقام بعمليات اغتيال وتصفية أفراد وقادة وجماعات وانقلابات سياسية وعسكرية، وتدخّـل بشؤون الدول، حول العالم، عن طريق أكبر جهاز مخابرات. وأكبر خمس فضائح سياسية وعسكرية واقتصادية وعسكرية هي من نصيبها.

ــ رغم التطور الطبي الذي نسمعُ عنه، فإن 11 مليون و800 ألف مريض سنوياً، يتم تشخيص مرضهم بشكل خاطئ في الولايات المتحدة، مما يؤدي للوفاة، ليكون الخطأ الطبي هو السبب السادس من أسباب الوفاة هناك. كما أن نظام التأمين الصحي من أسوأ الأنظمة بين الدول المتطورة.

ــ الولايات المتحدة صاحبة أكبر شبكة تجسس على شعبها وعلى شعوب وحكومات الدول الأخرى، ومنذ عام 1991 كان بإمكانها التنصت على 2 مليون مخابرة هاتفية حول العالم بآن واحد. الآن؛ أصبح الأمر أكثر سهولة بفضل شبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي، وكل شخص لديه حساب على توتير أو الفيس بوك أو فيبر أو… هو شخص اخترِق جهازه أو هاتفه، وعرفت عنه الولايات المتحدة ما تريد.

ــ طريقة الحياة الأمريكية هي الأكثر تأثيراً وسيطرة على عقول الشعوب حول العالم، فطريقة اللباس والسير والحديث والعيش والغناء، تقوم مئات الملايين بتقليدها بصورة ببغاوية عمياء، حتى أصبحت شتيمة Fuck، أشهر كلمة في العالم. كما أنّ السيطرة هذه امتدت لتشمل سلوك الأطفال عن طريق الألعاب الإلكترونية غير البريئة، ورغم كره الشعوب للولايات المتحدة، إلا أنهم يتمنون أن يحصلوا على فيزا للوصول إليها، وهذه إحدى أكبر خدع التاريخ.

ــ الولايات المتحدة أكثر دولة أساءت للأخلاق العامة، والقيم الإنسانية، فهي تُقدّس “ظاهرياً” الفردية ضمن المجتمع الواحد، وهذا مبعثٌ للأنانية والاهتمام بالذات، وإهمال الآخرين، لتصبح عبارة I do not care، تتردد على لسان كل أمريكي. وتثير شهوانية الشخص وتجعله حيوان يجري وراء نزواته الآنية، فينحصر تفكيرهُ بالحصول على المال بأية طريقة من أجل المتعة، ثم يفكر بالشهرة. لهذا نرى المواطن الأمريكي بشكل عام، إنسان سُحِقَ ذاتياً ولا يحسّ بالمتعة الروحية، لأن كل شيء لديه بات مادياً. وهذا سبب ندرة أصحاب الانتاجات الفكرية والفنية الإنسانية، كالموسيقيين والفلاسفة والأدباء والرسامين والشعراء، مقابل وفرة مطربي صرعات البوب والروك وممثلي هوليوود. ومَنْ يريد التأكد، فليقارن بين فيينا، بودابست، براغ، كعواصم لبلدان صغيرة، وبين واشنطن، من حيث الفن والأدب والموسيقى.

ــ الشعب الأميركي من أقل شعوب الدول المتطورة ثقافة وتحضراً، وبكل ثقة أقول: “الشعب الأميركي أميّ سياسياً.” ولا يمكن مقارنته بأي شعب أوروبي، والسبب هو مناهج التعليم ووسائل الإعلام العملاقة، التي عزلت الأمريكيين عن الخارج، وجعلتهم يعيشون في كوكب آخر.

ــ ديموقراطياً: في الولايات المتحدة حزبان رئيسيان فقط، والرئيس الأميركي من إحداهما. ولو راقبنا الحملة الحالية للانتخابات الأميركية، لوجدنا أفضل المرشحين هو Bernie Sanders، لكنه لا يملك الكثير من المال ولا تقف وراءه أية وسيلة إعلامية، لهذا انسحب وربما بلعبة خبيثة، مقابل هيلاري كلينتون المدعومة من وسائل الإعلام، والتي ستكون من أقل رؤساء الولايات المتحدة ثقافة ودراية سياسية، وقد يحملها غباؤها المتأصل على ارتكاب حماقات عسكرية.

بعض عشاق الولايات المتحدة يظنون أنها إمبراطورية ستستمر حتى قيام الساعة، معتقدين أنها آخر حضارة تراها الكرة الأرضية، لكنّ المعطيات الحديثة تقول: “انتهى حلم الخلود الأميركي”. الولايات المتحدة هرمت، وبدأ خط النزول الذي لا أتمناه أن يكون سريعاً، لأنّ انهيارها السريع سيكون مدمراً، وهي كناطحة السحاب، إن سقطت بسرعة ستسقط من حولها الكثير من الأبنية. لقد تحرّك المؤشر شرقاً منذ بداية الحرب على سوريا، فهل سيستقر في البلاد البـاردة أم يتابع مسيرهُ نحو التنيــن؟

الكاتب: د. جميل م. شاهين ـ برلين 18.05.2016