سياسي

من جامع ميونيخ إلى جامع طرطوس د. جميل م. شاهين

single-image

وأنا أتصفحُ كتاب “جامع في ميونيخ” للكاتب الأميركي Ian Johnson الذي يعيش في برلين، الصادر عام 2011 في نيويورك، لم أسـتطع إلا أن أتذكر جامـع طرطوس، وقبله آلاف الجوامـع التي بُنيتْ لممارسـة كـافة النشاطات المسموحة وغير المسموحة، باسـتثناء عبـادة الله.
مررتُ بأبي عامر الفاسـق، الذي تحالف مع هرقل ملك الروم، ثم تبرعَ من مالهِ الخاصّ وبنـى مسـجداً “للمؤمنين” في المدينة، جعلهُ مقر قيادة لحربـه ضد الرسول. فكم “أبو عامر الفاسِـق يقبعُ في حاويتك يا وطني؟”.
استخدم النازيون الإسلام في القوقاز وتركيا، خلال الحرب العالمية الثانية، لضرب الروس، عن طريق الوزير غيرهارد فون مينده، وهو وزير الأراضي المحتلة، أي آسيا الوسطى والقوقاز، وكانت مهمتهُ استغلال المسلمين في حربه ضد السوفييت، أول شيء فعلهُ مينده هو تعلّم اللغة العربية والاتصال بالمخابرات الأمريكية، ثم زاد من اتصالاته باسـتنبول ونسّـق عمله مع الأتراك. أفضل البدايات هي جمع قادة المسلمين في ألمانيا، كان اقتراحهُ ببناء جامـع ميونيخ، فلم يكن له ذلك بسبب معارضة شديدة من الأحزاب المسيحية بولاية بايرن، تأخر وضع حجر الأساس حتى تشرين الأول 1967، وسُميّ “جامع الرجل الحرّ”.
من جامع ميونيخ انطلقت شـرارة توظيف الدّين الإسـلامي لغايات سياسية، وبالتنسيق بين المخابرات الأمريكية والألمانية والتركية، فكان مقراً ومنطلقاً لغسل الأدمغة إن وُجدتْ، وتهييج قلوب الحمقى وما أكثرهم، الظاهر دعوات روحية وأبحاث أتقياء، ضمن عمل منظم من أجل الوصول للسلطة السياسية عبر بناء دولة الخلافة الإسـلامية.
جاءت المخابرات النازية عوضاً عن هرقل، ثم ورثتها المخابرات الأميركية.




من جامع ميونيخ بدأ الإخوان المسلمون انطلاقتهم برعاية نازيـة ثم أمريكية قاصدين أوروبا، فشكلوا التنظيم الدولي للإخوان، لهذا نرى أنّ ألمانيا هي المكان المفضّل لمنفى هؤلاء عندما يُطردون من بلادهم.
ثم دخلت السعودية على الخـط مادياً، فأعادت إحياء تنظيم الإخوان اعتباراً من الرجال الذين يجتمعون في جامع ميونيخ، وهم غالب همت، يوسف ندا، إضافة إلى مهدي عاكف مرشد الإخوان، والزعيم الروحي للإخوان يوسف القرضاوي، الذي قاد العملية كلها وتابعها بكل تفاصيلها. اتبعت السعودية وتركيا سياسة أكثر مرونة ودهاء وهي سياسة التمكين والبراغماتية والسرية، أي تحقيق الأهداف بالتدريج وإظهار الانفتاح على الحضارات والأديان الأخرى، وإظهار المسلمين بلباس أوروبي وفكر متحرر، وهي سياسة اعتمدتها المخابرات الألمانية النازية.
لاحقاً تمّ تأسيس الفيدرالية الإسلامية، فضمت تحت لوائها منظمات الإخوان المسلمين في بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، اسبانيا، يوغسلافيا، النمسا، اليونان، هولندا، رومانيا، سويسرا. وأصبحت هذه الفيدرالية القاسم المشترك لعشرين منظمة ذات روابط ثقافية وتنظيمية بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، أي هي الفرع الأوربي لقيادة التنظيم الدولي للإخوان.
إلى الجانب الثقافي والاقتصادي، تمّ تأسيس “معهد دراسات العلوم الإنسانية” وهو عبارة عن مركز لتدريب النخب الإسلامية على كيفية استقطاب الأوروبيين للدين الإسلامي، وجاء إنشاء “الصندوق الإسلامي الأوروبي” لتأمين الأموال اللازمة لتغطية نشاطات الجماعة، وشركة الفيدرالية القابضة لإدارة مشاريع الجماعة وممولها الرئيسي هو “مؤسسة مكتوم الخيرية”، مقرها الدوحـة، أي دخلت هنـا قطــر أيضاً.
وبدأنا نسمع عن حوار الأديـان والتقارب بين الحضارات، وزيارات للفاتيكــان والاتحاد الأوروبي، والأخوّة والتآخي والعيش المشترك…
جامــع ميونيخ هـو المجلس الذي تُصنـعُ فيـه سياسات العالم الإسـلامي كلّه، وصلاته بالإرهـاب لا تقبل الشكّ فمنهُ خرج حمود أبو حليمة الذي ساعد في تفجير مركز التجارة العالمي 1993. من رواد هذا الجامع ممدوح محمود سالم وهو المسؤول المالي لتنظيم القاعدة والمعلم الشخصي لأسامة بن لادن.
المخابرات الألمانية ليست نائمة، وكافـة جوامع ألمانيا تحت المراقبـة، لكنهم لسبب ما يتركـون الحبـال طويلة لأصحاب الذقون العفنـة، وفي اللحظة الحاسـمة يحلقـون هذه الذقــون وما تحتهـا. هم يُصـدّرون لبلادنـا زعمـاء المسـاجد بعد إدخالهـم في دورات محي الضمير، أمّـا وقد باتت بلادنـا هي المُصـدرة لهكـذا زعامـات، فقد يتـم إغلاق جامـع ميونيخ للأبـد.
إذا كـانت ألمانيا قد أنشـأتْ جامعَ ميونيخ، فكـم لدينا مثلهُ؟ الفارق أن جوامع بلادنـا تقوم بتنفيذ أوامر ميونيخ، ومنها خرجتْ فصول السنة العربية لتحرق ربيع بلادنـا، منها خرجت طائفية بيروت والتابوت.
التيار الوسطي غير مسـموح لهُ بالظهور والبقاء، ومصير عُلمائهِ تفجير انتحاري أو اغتيال فردي، وعلمـاء الشـام الأتقيـاء باتـوا في تصنيفهـم مرتـدون، علمـاء الشــــام منـارة العالم الإسـلامي، تـمّ اسـتبدالهم بتجـار الـدين الجهلـة من خليـج العربـان وبلاد الأيردوغــان.
الذي أنتجتـهُ تركيــا والسعودية ومن ورائهما المخابرات الأمريكية في منطقتنا، وقد نجحوا، هو تيــار سَــلفي ضمناً منفتـح ظاهرياً، نساؤهُ نســخة هجينة تايوانيـة عن مسلمات اســتنبول حتى باللباس، وأول علائم اللباس هو الحجاب “الشرشف” الاستنبولي ذو المؤخـرة اليقطينيــة، ورجاله يرتدون الكرافات ويتظاهرون بالتحضر وقبول الآخر، وهـم في واقع الحـال آكلوا أكبـاد بثياب الحمـل، فصارت بلادنـا نسـخة عن رجب وزوجتـه أمينـة أيردوغـان.
وابتـدأ مسلسل بـاب الحــارة وما أكثر مشاهديه، ومعهُ مسلسل الحب المسموح ووادي الكلاب. زرعوا فينا صورةً مقلوبــة عن نساء ســـوريا “يا تقبرني يا ابن عمي”. وكثرت شـركات “الدبلجـة” وأنصاف الكومبارس من الفنانين العاطلين عن العمل.
فتحـوا باب السياحة إلى بلاد العصمليين، فأصيب الناس بإسـهال تركي، الجميع يتباهى أنه زار تركيـا وعاد بثياب مهنـد ونـور، وكأنّ تركيـا ليست مزبلة أوروبــا. واسـتمر الإســهال…
عملوا على بنـاء المساجد في كل قرية وحارة وزاوية، مســاجد عثمانية الهوى وهابيــة الدّين، وبتمويل سـعودي سـخي، وكلّها بيــوت الله. المسافر من دمشق إلى حمص مثلاً، يحتار هل يُصلّي نصف ركعةٍ في كل استراحة في الطريق، عسى أن يزور كل المســاجد؟
أنشأوا مئات الجمعيـات الخيريـة /ظاهرياً/، والبنوك الإسـلامية ودور نشـر الدعـوة ومعاهد تحفيظ القرآن. وبدأت العمالة السورية تغزو السعودية وتوابعها، تتعلّمُ التخلّف والوهابية وتعود لتنشرها في ربوعنـا.
فتح البسـطاء لهـم بيوتهـم، زوجوهـم قاصراتٍ في الرابعة عشرة لعجائز في الثمانيات، المهم المهـر. كل هذا جرى بمباركـة من تيــار خامس من المسؤولين الداعمين والبالعين لريالاتهـم، أما إن حذّرتَ بالعـاً من المسـؤولين فلديه التبريـر: “مسلمون… ويدفعون…”. التيـــار الخامـس ينخر جسـد الدولـة، وهـو الأخطـر من الدواعـش لأنـه مســتتر، والذين نراهـم يتحدثـون عن التآخي أمام المساجد، لن نراهـم يتفقدون جرحى الجيش أو عائلات الشـهداء إلا إذا سـبقتهم الكاميـرا ومعهـا مُذيعـة “طريـــة”. بينمـا تكثر فيديوهـات الركـوع والتظاهـر بالتقوى في المناسـبات الدينية، وهذا رمضان قادم وسـترون ارتفـاع منسوب التقــوى الغبية.




المعادلــة تقول: مقابل بناء كلّ جامـع يجب أن نبني مدرسة ومستوصفاً. يمكنكم حسـاب عدد المساجد في دمشق وعدد المدارس. ولمعلومات السادة المسؤولين؛ هنــاك مادة تُدّرس اسـمها التربية الدينية تبدأ منذ الصف الأول، وهي كافية لتعليم جيلنـا المبادئ الصحيحة للدين، دون الحاجــة لإمـام جامـع ريالتـه “شــاطة” على حوريــات الجنــة وهو يترنحُ منتشـياً ببول البعيـــر. أشــقاء البعيــر تبرعــوا بكل هـذا، ولم نــرَ مدرسـةً ابتدائيـة، أو مشـفى أو مكتبــة تُبنى من ريالاتهـم. الحضــارة رجسٌ من عمـل الشــيطان والمطلـوب: “شـــعبٌ يركــع فقــط”… ونجحـــوا.
أعداؤنـا مسـتـمرون ومسؤولينا يصفقــون وجيوبهـم يملــؤون وعن الشرف يتحدثون والشريط الحريري يقصـون ومقابل الكاميرا كالعروس ينصمدون. وهـــذه هي النتـائج.
المسـلم الحقيقي ليس بالمظاهـر، يُصلي ويصوم دون تطبيلٍ وتزميــر، يحتاج لمدرسةٍ وجامعة ومشفى ومكتبة، قبل أن يحتاج لمسـجدٍ إمامـهُ نطفـةٌ ســعودية.
أخيراً أكررهــا “احــذروا من المتأسـلمين بلبوسٍ متحضــر، احـذروا من التيــار الخامــس”، وأختمهـا لكم بكلام الفصل لعلكم تعقلون:
}وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّه يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{ التوبة (107).  

الكاتب: د.جميل م. شاهين ـ برلين 10.06.2015

You may also like