اجتماعي ثقافي

نحن والمؤامرة! المهندس نقولا فياض. هامبورغ. إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات.

single-image

يمكننا تعريف نظرية المؤامرة Conspiracy Theory، بأنها: مصطلح شائع لحدث أو موقف ما غير قانوني أو أخلاقي يحمل نتائج ضارّة، تقوم بها جهة حكومية أو خاصة ضد أخرى. تستندُ النظرية على مبدأ الافتراض والتفسير السائد لحقائق بسيطة، دون وجود دليل مادي مؤكد.

سادت نظرية المؤامرة منذ القدم، ولا يخلو تاريخ دولة منها رغم أنها لم تكن متبلورة بالصورة الحالية، حتى باتَ العامة ينسبون كل شيء إليها وبصورة مَرَضيةفالأطباق الطائرة وضياع فلسطين وتعيين الحكام العرب واغتيال كندي وأحداث 11 سبتمبر والربيع العربي واحتلال العراقالحرب على الإسلام… كل شيء مؤامرة؛ حتى طلاق فلان من فلانة هو مؤامرة.

المؤامرة ملاذ الضعفاء




كتب الصحفي Roger Cohen: “تلجأ العقول الأسيرة لنظرية المؤامرة لأنها الملاذ الأخير للضعفاء.”

إن لم تستطع تغيير حياتك الخاصة وتحسين أحوالك أو التخلص من مشاكلك، فانسب الفشل لوجود قوة كبرى تسيطر على العالم. هذا أسهلُ الحلول…

لهذا تنتشر نظرية المؤامرة بشكل كبير في المجتمعات المغلقة المكبوتة، خاصة في المجتمعات العربية.

نحنَ لا نُنكرُ في مركز فيريل للدراسات وجود المؤامرة، والتي نفضّلُ أن تعطى اسم مخطط ما، لكننا ضد هذا الشيوع المفرط لاستخدامها وجعلها شماعة تُرمى عليها أخطاء وفشل المجتمعات والدول والأفراد. عندما يتآمرُ عليكَ شخصٌ ما، فهو يخفي عنكَ الحقيقة بحيثُ تتفاجأ بها… فإن كنتَ تُدركُ تلكَ المؤامرة قبل حدوثها وتعرفُ تفاصيلها، ورغم ذلك سقطتَ بها، ماذا تُسمي نفسكَ؟

يحدث هذا في العلاقات الدولية وعلى مستوى الأشخاص أيضاً. على سبيل المثال لا الحصر: يُقال أن النازيين هم من أحرق البرلمان في 1933 للقضاء على الشوعيين؛ وأن روزفلت كان يعرف بهجوم بيرل هاربر مسبقاً، وقام بإخفاء الحقيقة عن الشعب الأمريكي … وأنّ الولايات المتحدة تُخفي عن العالم أنّ في باطن الأرض سكانٌ من الجن يخرجون إلى السطح، فاخترعت خدعة الصحون الطائرة والمخلوقات الفضائية، وأنّ الهبوط على سطح القمر كان مؤامرة

أنواع المؤامرات كثيرة جداً وتطال كل شيء، لكنها تبقى نظريات فقط دون إثبات، هدفها زرع الشك وتثبيت مفاهيم غير مؤكدة مكان الحقيقة.
نظرية المؤامرة في العالم العربي منتشرة ورائجة جداً. منذ بدء وعينا ونحن نسمع عن المؤامرات التي تحاك لنا من كافة الجهات!!! ونسمع أننا كشفنا المؤامرات، قبل حدوثها، والمحللون الاستراتيجيّون فصفصوها حبة حبة وبنداً بنداً كأنهم كانو جالسين مع المتآمرين!! رغم ذلك يقوم العرب من حفرة مؤامرة ليقعوا في أخرى… مثالنا هنا خطة بندر بن سلطان لتدمير سوريا، أتذكرونها؟.

لا تحتاجُ واشنطن للتآمر على العرب، فهم يتآمرون على بعضهم

يتهمون الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل بأنها وراء المؤامرة، ولن ننسى الماسونية والحكومة الخفية و… ولكن؛ أليست هذه الدول والمنظمات عدوتنا؟ إذاً هل يُتوقعُ منها القيامَ بأعمال لصالحنا؟ هل تتوقعون أن تقوم واشنطن بافتتاح المدارس والجامعات والمشافي ودور الثقافة ومحاربة الفقر والجهل في بلادنا؟ هل تتوقعون أن تُطالبَ باريس بتحرير فلسطين ولواء اسكندرون وتدعمنا عسكرياً، بل تحارب عنّا؟

السياسة ساحة حرب دائمة، وما الحروب العسكرية إلا إمتداد للصراعات السياسية؟ بمعنى أنه ﻻ يمكنك أن تنتصر بلعبة الشطرنج الأممية إذا لم تكن لديك خطة للنصر.

بما أننا في الدول العربية لا نملكُ خطة للنصر سوى الدعاء على المنابر بالموت لأميركا، والإيمان المَرَضي بالمؤامرة والاستكانة لذلك، سنبقى نتلقى الضربات والصفعات، نصمدُ مرةً ونصرخُ مراتٍ… ثم نتقدمُ بالشكوى لمجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة الذي يُشبهُ ناطور الذرة.

علينا هنا أن ننتبه أن استمرار الصراخ لسنوات بعد الخسارة، و اتباع تبرير الفشل وتعليقه على المؤامرة باستمرار، هو أخطر من المؤامرة ذاتها، لأنه يحطّم الشعب نفسياً، على فرض أنّ الشعب غير محطم، ويهزم الإرادة من الداخل، ويمنعنا من تحقيق خطوات ولو بسيطة في هذا المجال، ويزيد الإحباط المتراكم منذ مئات السنين من الهزائم المتتالية، مع خلو تاريخنا الحديث من نماذج نهضوية يُحتذى بها.

كل ما وردَ يجعلُ الشعبَ الباحثَ عن “النصر”، لا يجدُ أمامه سوى اللجوء إلى الدّين والماورائيات، فيعود عشرات القرون من التاريخ كي يجدَ حلاً لمشاكله في القرن الحادي والعشرين!

تنتهج الحكومات ووسائل الإعلام أساليبَ رخيصة “غبية” لرفع معنويات الشعب، وكلها مخدرات مؤقتة سرعان ما يزولُ تأثيرها. كالحديث عن نصر ما أو انفراج في أزمة أو نهاية حرب… لكن كذبهم سرعان ما يظهر فيزداد الإحباطالصدق في نقل الخبر وتحليل نتائجه هو أسلمُ طريقة وأفضل الحلول، فالاعترافُ بالمرض وتحديد الموضع الذي دخلت منه الجراثيم، ثم تشخيصه لإيجاد الدواء الأمثل، هو طريقة العلاج المثلى كي يتعافى الجسمُ كلّهُ، ويتعافى الوطنُ كلّهُ… إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات. المهندس نقولا فياض. هامبورغ ألمانيا. 

You may also like