نقل مقر الكنيسة الأرثوذكسية من دمشق إلى بيروت. الدكتور جميل م. شاهين

نقل مقر الكنيسة الأرثوذكسية من دمشق إلى بيروت. الدكتور جميل م. شاهين. مركز فيريل للدراسات، برلين ألمانيا. بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، كنيسة أرثوذكسية مشرقية، عضو في مجلس كنائس الشرق الأوسط، أسسها بطرس وبولس الرسول حسب التقليد الكَنسي، كان مقرها الرئيسي مدينة أنطاكية التي تحتلها تركيا، وحالياً مقرها في دمشق. يُقدّرُ مركز فيريل للدراسات عدد رعاياها بـ 13,2 مليون مسيحي يتوزعون حول العالم؛ سوريا. لبنان. العراق. أميركا الشمالية والجنوبية. أوروبا. أستراليا. البطريرك يوحنا العاشر “يوحنا يازجي” هو رأس هذه الكنيسة منذ 5 كانون الأول 2012، يحمل شهادة الهندسة المدنية من جامعة تشرين، ودبلوم في الموسيقى الكنسية من تسالونيك باليونان، دبلوم في علم الليثورجيا “الخدمة الدينية”، دكتوراة في علم اللاهوت، عميد جامعة البلمند بلبنان سابقاً.

نظرة تاريخية على البطريركية الأنطاكية

بعد “مجمع خلقيدونية” عام 451، بدأت الانقسامات الواسعة فاستقلت القدس عن أنطاكية وقبلها قبرص، لتنتقل إقامة البطاركة بشكل شبه رسمي إلى دمشق منذ القرن السادس، وتحديداً في كاتدرائية يوحنا التي أصبحت الجامع الأموي.

عام 1211 قبل الميلاد بنَت مملكة “آرام دمشق” معبد “الإله حدد الآرامي” وهو إله الخصب والرعد والمطر لدى الآراميين، ثم حوّله الرومان لمعبد “الإله جوبيتر” وكان ذو تصميم هندسي رائع مع المحافظة على تصميمه الأصلي. عام 391 للميلاد حُوّلَ معبد جوبيتر إلى كاتدرائية يوحنا وأصبحت مقراً مسيحيّاً رئيسياً يأتي في المرتبة الثانية بعد أنطاكية آنذاك، ليتحوّل لمقر لبطاركة أنطاكية فيما بعد.

قام الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بمصادرة كنائس دمشق ومنعَ الصلاة فيها، بما في ذلك كاتدرائية يوحنا التي أمر بتحويلها لمسجد عام 706، فهدم معظم أقسامها ولم يُبقِ منها أو من المعبد القديم سوى أجزاء بسيطة بقيت تدلُ على طراز البناء البيزنطي. واجه الوليد احتجاجاتٍ واسعة من مسيحيي دمشق الذين كانوا يُشكّلون أكثر من 80% من سكانها، واعتبروا سلوكه غدراً بهم بعد أن وقفوا بجانب المسلمين ضد الرومان، فاضطر لإعادة قسم من كنائسها باستثناء كاتدرائية يوحنا التي أصبحت الجامع الأموي، فقام رجال الدين المسيحي بتحويل كنيسة “المريمية” إلى بطريركية وباتت مقرّ بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس حتى يومنا هذا.

الدور الوطني المُشرّف للكنيسة الأرثوذكسية

لعبت الكنيسة الأرثوذكسية، كغيرها من الكنائس المشرقية، دوراً وطنياً على مدى عصورها، وقدمت شهداء كُثر في دفاعها عن سوريا بكامل أقاليمها. كما دعموا التوجه القومي التقدمي لمحاربة الفكر الرجعي والعثماني المتخلّف، بثوا روح الثقافة وحبّ العلم في القرنين التاسع عشر والعشرين. قاوموا الاحتلالين الفرنسي والعثماني، طالبوا بالاستقلال وخروج المستعمر في كافة الهيئات الدولية، لهذا كانت نقمة الغرب على هذه الكنيسة ومازالت.

من أعلام هذه الكنيسة “ناصيف اليازجي” الشاعر والأديب الذي أعاد للغة العربية ألقها وألّف عدة كُتب، وكان له الفضل في الترجمة المُعاصرة للإنجيل والعهد القديم. نذكرُ أيضاً البرفسور قسطنطين زريق المؤرخ والقومي العربي العقلاني، سفير سوريا في مجلس الأمن 1945، صاحب أشهر كتاب في القومية العربية “الكتاب الأحمر” والذي استندت إليه معظمُ الأحزاب القومية، ولم يذكرهُ أحد… ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي… جرجي زيدان الأديب والمؤرخ والروائي، أهم مَن صاغ نظرية القومية العربية منذ 1891. نذكرُ أيضاً: بشارة وسليم تقلا مؤسسا جريدة الأهرام المصرية. المسرحي الأول جورج أبيض أول نقيب للممثلين في مصر. خليل مطران شاعر القطرين…

هل ما يحدث تكرار لما حدث في أوكرانيا؟

 بطريركية القسطنطينية المسكونية في استنبول لعبت دوراً مشبوهاً في أكبر انشقاق في المسيحية منذ ألف عام، وهو انشقاق الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن موسكو، والسبب سياسي. لقد سبق وذكرنا في بحث لمركز فيريل للدراسات أنّ “الأرثوذكسية” أشد أعداء الماسونية، وما يجري يؤكد صحة كلامنا، فهل امتدَّ الانشقاق إلى سوريا؟!

عدد أتباع الكنيسة الأرثوذكسية في سوريا، بعد هجرة مئات الآلاف منذ بداية الحرب 2011 وحسب إحصائيات مركز فيريل للدراسات، حوالي 1,2 مليون مسيحي وهي الأكبر، في لبنان 460 ألفاً.

علاقة البطريركية في سوريا وثيقة مع بطريركية موسكو، وتمثالُ السيّد المسيح في أعلى جبل الشيروبيم بمدينة صيدنايا يحكي عن متانة هذه العلاقة، بالإضافة لدور الجانبين بتأسيس “الجمعية الأرثوذكسية العالمية” التي ساعدت ومازالت السوريين، مسلمين قبل المسيحيين، في محنتهم المستمرة منذ 9 سنوات. ولعبت أيضاً دوراً هاماً بالتدخل الروسي في سوريا.

بعد كلّ هذا؛ ألن يحقد الغرب “المسيحي” ومعه المتطرفين الإسلاميين ودولهم والمعارضة السورية على الكنيسة الأرثوذكسية؟

الحجة القديمة الحديثة لتبرير نقل مقر البطريركية من دمشق إلى بيروت، هي استقلالية القرار الكنسي، وحسب زعمهم أنّ البطريركية تُعاني من الاستبداد السياسي والديني في سوريا.

حسناً، كما عهدتمونا في مركز فيريل لا نُحابي أحداً مهما كان منصبهُ… “لا توجد حرية دينية في أية دولة في الشرق الأوسط”، بما في ذلك سوريا. ورجال الدين ليسوا أحراراً بمواقفهم، فمعظمهم أتباع للسلطة أو لمن يُمولهم من الخارج… معظم رجال الدّين عبيد للمال…

لكن هل هذا هو السبب الحقيقي “البريء” وراء هذا الطلب بنقل المقر إلى بيروت؟ وهل ستكون البطريركية بمنأىً عن الضغوط السياسية الأخرى من داخل وخارج لبنان؟

قضية النقل ليست حديثة، وخلافاً لما قالهُ وأشيعَ عمّا حدث عام 1970 بتدخل المخابرات السورية أول عهد الرئيس السوري حافظ الأسد في حمص. حادثة “كاتدرائية القديسين الأربعين شهيداً” التاريخية. هذا غير صحيح… جرت الحادثة قبل استلامه للحكم، وتحديداً في نيسان 1970 والذي أمر بها هو رئيس الجمهورية آنذاك “نور الدين الأتاسي” وليس الرئيس حافظ الأسد. حيث اعتقلت السلطات المطران، والسبب كان منع نقل المقر إلى بيروت والذي نادى به هذا المطران.

يأخذُ “الخبثاء”، الذين يدْعون لنقل المقر إلى بيروت، على البطريرك يوحنا اليازجي أنه لعبة بيد المخابرات السورية، حسب وصفهم، ويستشهدون بكل “غباء” يفضحُ مقاصدهم بالتالي حرفياً: “البطريرك هو الذي استدعى الاحتلال الخارجي، ولم يخجل بمنح وزير الخارجية الروسي أعلى أوسمة البطركية”. الأمر لا يحتاجُ لتوضيح الجهة التي تقف وراء هذا “الردح البغيض”.

لستُ على وفاق مع رجال الدّين بمختلف انتماءاتهم لكنّ كلمة الحق تُقال، وهي لا مدح ولا ذم… البطريرك “يوحنا العاشر يازجي”، أعلنَ منذ بداية الحرب على سوريا رفضه اتخاذ أيّ موقف سياسي قائلاً: “يجب أن يكون المسيحيّون جسر وصل بين الأفرقاء المتخاصمين” وأيضاً: “نرفضُ العنف والقتل لأي سبب كان وبأي شكل كان.”. أُخذَ عليه تصريحهُ من قِبل كثيرين في السلطة، ثم نأى بنفسهِ عمّا يجري وكان يُمضي فتراتٍ طويلة في لبنان، وهو ما سبب عدم رضىً من المسيحيين في سوريا أنفسهم عن “انعزاله”… فهل هو لعبة بيد المخابرات السورية يا خُبثاء؟

نعم، لم يتخذ البطريرك مواقف جريئة مما يجري ضدّ المسيحيين أتباعهُ في عدة مدن سورية، بما في ذلك التهجير والقصف والاختطاف كما يجري حالياً في السقيلبية ومحردة من قِبل الإرهابيين أحبابُ الغيورين على على نقل مقر البطريركية إلى بيروت، فهل لديهِ عذرٌ؟ سنرى.

ختاماً

لن أُبرّر موقف البطريرك حنا العاشر يازجي و “انعزاله”، ولا يمكنني الاستفاضة بالكثير… لكن التهديدات التي ساقها ويسوقها “تنظيم الإخوان المسيحيين” في لبنان، تُعطينا صورةً عمّا يجري و… جرى. ولعلّكم أدركتم الآن أحد أسباب؛ مَن ولماذا، خُطف متروبوليت حلب والاسكندرون وتوابعهما للروم الأرثوذكس المطران بولس اليازجي، شقيق البطريرك يوحنا، ومتروبوليت حلب لطائفة السريان الأرثوذكسي المطران يوحنا إبراهيم قرب حلب، في نيسان 2013، وبالتواطئ مع المخابرات التركية…

“تنظيم الإخوان المسيحيين” شقيقُ “تنظيم الإخوان المسلمين” في لبنان يُحاول ويحاول، وإن فشل، سيُعلن الانشقاق وهو نسخة طبق الأصل عما جرى في أوكرانيا، والمقصود أولاً وأخيراً تدمير “الكنيسة الأرثوذكسية”…

نصيحتي، مع كامل احترامي للبطريرك يوحنا العاشر يازجي: “لا تجعل التاريخ يذكر أنه في عهدك نُقلت البطريركية إلى بيروت”. الدكتور جميل م. شاهين. مركز فيريل للدراسات.

إنّ الحياةَ وقفةُ عزّ فقط.