الرئيسية » ثقافي » سـلوك القطيــع د. جميل م. شاهين

سـلوك القطيــع د. جميل م. شاهين

 

سـلوك القطيع: بالإنكليزية Herd Behavior ، بالألمانية Herdenverhalten، مصطلح يدل على تصرّف مجموعة من الأشخاص، ضمن سلوك الجماعة التي ينتمون لها دون توجيه مركزي أو تفكير أو تخطيط. يُطلقُ هذا المصطلح على سـلوك الحيوانـات في القطيع أو أسراب الطيور والأسـماك، وعلى سلوك البشر في المظاهـرات وأعمال الشغب والإضرابات العامـة، الأحداث الرياضيـة، التجمعات والجلسات الدينيـة والفنيـة، سلوك طـلاب المدارس، الهروب في حـالات الطوارئ والكوارث الطبيعية. وحتى نشر الشائعات وتناقـل الأخبار دون التأكد من صحتهـا، على الفيس بـوك وغيره، تُصنّفُ ضمـن ســلوك القطيـع.

ابتـدأ هذا السـلوك مع وجـود الإنسان على وجه الأرض، لكنّه بدأ يتراجـع مع تطوره في المجتمعات الراقية، بينمـا استمر في المجتمعـات المتخلّفـة. من الطبيعي أن يتأثر الإنسان العاقل بما يجري حوله، ويتماشى مع مُجتمعه في تقاليده وأفكاره ومعتقداته، شـرط أن يناقش هذه التقاليد والأفكار والمعتقدات بحريّة، ويُطالب بتغيير ما يراه بالٍ أو متخلّف، لكن من غيـر الطبيعي أن يتنبى هذا الإنسان كل ما يُطرح دون تفكير، في هذه الحالة يُصبح سلوكه حيوانيـاً ويكون عبارة عن مخلوق ضمن قطيـع. تتراوح نتائج هـذا السـلوك من نتائج خفيفـة لتصل إلى التخريب والعنف والقتـل. وتتّبـعُ كافـة الـدول دون اسـتثناء سـياسـة القطيـع مع شعوبها، بمـا في ذلك الدول الأوروبيـة، لكـن بدرجـاتٍ متفاوتـة، تبعاً لوعي هذه الشعوب وتمدنهـا.  

 

ــ تركيب القطيــع: لكل قطيـع راعٍ قد يسير أمامه، فيكون الراعي والقائد بآن واحد، أو يسير خلفه فيحتاجُ لقائـد للقطيع يسير في المقدمة، بالإضافـة لحارس يتنقلُ بين المقدمة والمؤخرة، كمثـال على ذلك: يسوق الراعي قطيعاً من الغنـم إلى مرج أخضر، الكلب يحرس القطيـع ويحافظ على نسـقه، في المقدمـة كبش كبير برقبتـه جرس هو قائـد القطيع. فجأة يخرجُ خـروفٌ لسبب ما عن الجميـع ويذهبُ باتجـاه مُغايـر، فتلحق به بعض الأغنـام دون أن تدري إلى أين. يحاول الكلب إعادة الخارجيـن، قد ينجح إذا كان العدد قليـلاً، لكنه سيفشـل عندما يتجاوز العـدد طاقتـه، فيتدخل الراعي، وقـد يفشـل أيضاً، فيضيـع القطيـع بكاملــه. سـياسـة القطيع موجودة في الحالتين، مع الراعي ومع الخروف المتمـرّد. إذا انسحبَ ما ذكرتُ على البشر، نجدُ نفس مبدأ الطاعة العميـاء للراعي أو المُتمـرد ودون تفكير وتحليل ومحاولة كشف السلوك الأصح الذي يجب اتباعهُ.

ــ في المجتمعـات المتطـورة: هذا المبدأ مُتبّـعٌ في المجتمعات التي تُصنّفُ نفسـها على أنها ديموقراطية، لكنه يلاقي الفشل أحياناً كثيرة، والسبب أنّ الإنسانُ الغربي تحرّرَ من روابط العشائر والأديان والعائلات القسرية، وبات مُستقلاً غير مرتبط بصلة رحم أو برابط بأبناء دينه وطائفته، وصار ارتباطهُ الرئيسي وانتماؤهُ الأول وولاؤهُ لدولتـه، فلا نرى ألمانيّـاً يتباهى بأنه من العائلة الفلانية أو ينحدر من عشيرة كذا أو يتفاخر بأنه من الطائفة تلك. وعندما يخرجُ في مظاهرة يقرأ المنشورات الخاصة بها، فيُدركُ لماذا يخرج ولماذا يتظاهر وضد مَنْ، فتكون مظاهراتهم هادئة وهادفة وخالية من أعمال الشغب. واجهت الحكومـات والشركات الغربية صعوبة في تطبيق سـلوك القطيع على شـعوبها، فطوّرت من أساليبها وطبّقت ذلك بنجـاح جزئي أو كبير فيما يخصّ التقنيات الحديثة، فكان ذلك في سوق البورصة وفي المُنتجات الالكترونية الحديثة والإنترنت، مثلاً: تطرحُ شـركة ما هاتفاً /موبايل/ جديداً بتقنيات فريدة، نرى المئات يقفون في صفوف طويلة لشرائهِ بسبب الدعاية الإعلامية المرافقة، هذه المئات من الأشخاص لا تُشكّلُ سوى نسبة ضئيلة جداً من الأشخاص الذين يمكنهم شراؤه. معظم الراغبين بشراء هذا الهاتف مراهقين تسهل قيادتهم، النسبة الساحقة من الشعوب الغربية لا تنبهر بهكذا مُنتـَج. طبعاً تحدث أعمال عنف في المظاهـرات هناك وتكون موجّهـةً ولدى الأحزاب المتطرفة أو عقب مبارايات رياضية، كلنها تبقى محدودة مقارنة بباقي الدول.

ـ حسب ما رأيتْ وخبرتُ شـخصياً؛ سـياسـة القطيـع مُطبّقـة في الولايـات المتحدة بصورة أكبر بكثير من أوروبـا، فالإنسان الأميركي أقلّ تحضّـراً بكثير من الإنسان الأوروبي ويسهلُ انقيـاده وقيادتهُ. ولعل انتحار 913 شخص من جماعة جيم جونز الأمريكية بتاريخ 18 تسرين الثاني 1978 في المعبد بمستعمرة غيانا، أحد أمثلة سلوك القطيع الأمريكية، والتي تعتبر أكبر حادثة انتحار جماعي في التاريخ الحديث. وربما يعود تطبيق سلوك القطيع في الولايات المتحـدة إلى ماضيهـم كرعـاة للبقـر. كمـا أنّ شـعبية المدعـوة هيلاري كلينتـون هي أكبـر دليـل على سـلوك القطيــع…

ــ في المجتمعـات المُتخلفـة: مبدأ الطاعـة العميـاء أسـاسيٌّ. فالولاء الأول للعائلة أو للطائفة أو للعشيرة، أمّا الدولـة فهي آخرُ ما يُفكر فيه الإنسان، هذا الإنسـان المُتخلّف الذي يتظاهـر أو يتبـع الراعـي، يستخدم أقلّ عدد من خلايـا دماغـه، فيعتمدُ بتفكيرهِ على خلايـا الراعي أو المُتمـرد الدماغية، ويُنفذ ما يؤمر به وكأنه أمر إلهي. لهذا نرى أنّ المظاهـرات في البلدان المُتخلّفة تتسم بالعنف وأعمـال الشغب وسفك الدمـاء، وأول ما يتـمّ اسـتهدافهُ هـو ممتلكات الدولة لأنهـا تقبـع في ذيـل قائمـة الولاء، ومن النـادر أن تنتهي مظاهـرة في بلـد متخلّف دون قتـلى وجرحى. ويكفي أن يطلبَ زعيم عشـيرة أو طائفـة أو رجل دين من “قطيعـهِ” التظاهر ضدّ طائفة أخرى أو زعيم آخر أو هدر دم مجموعة، حتى نـرى الآلاف يتحركون بحيوانيــة ودون تفكيـر لتلبيـة الأمر الإلهي.   

ــ سـلوك القطيـع في الفيس بوك: رغم تجنيـد الدول الغربية لأشخاص بمراكز قيادية مختلفـة في الدول المتخلّـفة لقيادة القطيع، لكنها وجدت أن الإنترنت أسـهل تأثيراً وأرخص تكلفـة، فراحت تستخدم أساليب مبتكرة تنطلي بسهولة على العامة من الشعوب، خاصّـة على الفيس بوك، وهو وسيلة التواصل الإجتماعي الأكثر انتشاراً في دولنـا. فيكفي أن توكل لشخص نشر خبر يهـمّ الشعب عبر الفيس بوك أو برسائل نصّيـة، حتى يتناقلهُ الكثيرون دون تفكير بل وينساقون حسب نصّـه. مثلاً: “إن وصلتك هذه الرسالة، عليكَ أن ترسلها لعشرة أشخاص، وسوف تأتيكَ غداً مفاجأة مُفرحة. أحد الأشخاص وصلته ولم يرسلها فأصيب بالشلل.” أو ينشر شخص صورة طفل صغير ينظف دماءً في غرفة ويكتب أسفلها: “طفل فلسطيني ينظف دماء أخيه الذي استشهد في قصف الاحتلال لمنزل في غزّة.” يأخذ الصورة عدد من الأشخاص وينشرونها، ويبدأ تداولها دون أن يفكّر أحد بتحليل الصورة، فيتبين لاحقاً أنها أخذتْ في مسلخ لذبح الأبقار، بعدها يأتي شخص سوري ويأخذ نفس الصورة، ويكتب أسفلها: “طفل سوري ينظف دماء شقيقه الذي قتله قصفُ الجيش السوري.”. أمّـا أحـدثُ مثـال على سـلوك القطيـع فهـوَ ما يجري في حلب وكيف تناقـل كثيرون /هاش تاغ/ باللون الأحمـر، صُنـع خصيصـاً في إسرائيل بعنوان ((حلب تحترق))، والمقصود هـو تدخـلٌ دولي في حلب. فقطيع المسلحين يُساقُ من الرياض، وقطيـعُ الفيسبوكيين يُسـاقُ من هاش تاغ…

ويتكرر نفس سـلوك القطيــع.

صفـات الأشـخاص الذين يتصرفون بسـلوك القطيـع: ضعف المستوى التعليمي والثقافي، فقر بالمحاكمـة العقلية، ضعف الشخصية، فوضويّ السـلوك، الشعور بالدونيـة لهذا ينقادون لمَن يرونهـم أعلى مركزاً ومكانـة. وتكون المرحلـة العمرية الأغلب هي لدى المراهقيـن والشـباب.

الكاتب: د. جميل م. شاهين ـ برلين 30.04.2016

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

1 + 17 =