الرئيسية » أبحاث » القوة الخفية في سوريا. سَارة عيسَى. مركز فيريل للدراسات ـ برلين

القوة الخفية في سوريا. سَارة عيسَى. مركز فيريل للدراسات ـ برلين





كل شيء عند الصينيّن ينضجُ على نار هادئة، وتستوي الأهداف بحسب الطلب، فيحصدونها بالشكل المثالي، فتكون الوجبةُ على “مراقهم” ومزاجهم. وأكثر ما تبرع الصين بقليّه، هو البيض الأميركي، فلا أحد يستطيع إثارة تلك الإمبراطورية الرأسمالية كما تثيرها الصين الشعبية. إمبراطوريتان متعاكستان بكل شيء، الاشتراكية ضد الرأسمالية، والنظام ضد الفوضى، الاحترام مقابل قلّته، النشاط مقابل الكسل، والانضباط بمواجهة العشوائية، التعقل بمواجهة الجنون، التواضع أمام النرجسية، والموقف الراسخ أمام المتذبذب.

هي القوة التي لا يستطيع أحد ردعها، تمشي سياسةً ببطء السلحفاة، لكنها تصل لأهدافها بالدقة المطلوبة وبنتائج مثالية. تضع يدها على الطاولة بالوقت المناسب، كما ترفعها كالتنين لتذكّر العالم أنها هنا، بإبتسامة باردة على وجوه دبلوماسيّيها، لا تلبث أنيابها بالظهور.

  • الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط: تزور سفن البحرية الصينية موانئ المنطقة، ففي عام 2010 كانت لها زيارة لميناء زايد في الإمارات، بالإضافة لزيارة إيران عام 2015 لمكافحة القرصنة في خليج عدن. كما قامت طائرات صينية عام 2010 أيضاً بالتزود بالوقود في إيران، كمحطة تكمل بعدها الطريق إلى تركيا. وكانت تلك أول زيارة تقوم بها طائرات حربية أجنبية منذ الثورة الإيرانية عام 1979، بالإضافة لنشاطاتها في ليبيا من خلال إخلاء آلاف المواطنين الصينيين من ليبيا عام 2011 الأمر الذي كشف استجابتها السريعة لعمليات الإنقاذ في ظروف الحروب. أحد أوجه قراءة ذلك التواجد الصيني في المنطقة، هو الوجه الأمني، الذي ربما أصبح يضاهي تواجدها الاقتصادي القوي، الأمر الذي يبني أواصر العلاقات على أسس راسخة وكأنها مع روسيا تشكل معسكراً شرقياً جديداً، لكن بظروف حديثة، أمام المعسكر الغربي المتمثل بأميركا ودول أوروبا. روسيا التي تبحث عن انتصار يشابه انتصار الحرب العالمية الثانية يبقى الفرق أن الظروف الحالية أفضل بكثير .
  • الصين وإيران: علاقة الصين بإيران هي الأقصر بنصف القطر منها مع باقي الدول في المنطقة، فهي توفر لموسكو وبكين مصادر طاقة يمكن الوصول لها عن طريق البحر والبر، كما تشتري إيران الأسلحة من الصين، وتجمع البَلدين علاقاتٌ تعود إلى ما قبل الاعتماد النفطي، فإيران هي الدولة الوحيدة على الخليج وغير الحليفة لأميركا. وكانت الصين، في السنوات التي تسبق الاتفاق النووي الإيراني، قد وقعت عقوداً كبيرة لتزويد طهران بالأسلحة، ووفقاً للدبلوماسي ديفيد فولو دزكو؛ استوردت إيران 31،7 في المئة من أسلحتها من الصين في عام 2014، فحولت العديد من هذه الأسلحة إلى الجيش السوري للقضاء على داعش. كما توددت إيران لتلقي المساعدة من الدبلوماسية الصينية للانضمام للتحالف بقيادة روسيا، وزيادة فرص عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها بكين (SCO) وقد استجابت الصين للمبادرات الدبلوماسية الإيرانية هذه. لتعزيز العلاقة بين بكين وطهران، أجرى الجيش الصيني تدريبات عسكرية مشتركة مع روسيا في الساحل السوري، وحافظ على مسافة ثابتة مع حزب الله اللبناني، لكنها رفضت التدخل عسكرياً إلى جانب إيران، وعززت تواجد حليف دائم لها في المنطقة. فكفلت الصين بمعارضتها غير المتزعزعة للتدخل العسكري، أنها تهدد مكانتها باعتبارها الشريك التجاري الأول للمملكة العربية السعودية، فمنذ بداية الحرب على سوريا والصين تسلك منهجاً دبلوماسياً في التعامل مع السعودية. كما عقدت مع السعودية صفقات أسلحة بمئات المليارات من الدولارات، بيعت في السنوات الأخيرة، ووصل العديد منها للجماعات المسلحة في سوريا، لكن تبقى الشراكة الصينية السعودية اقتصادية في طبيعتها ونوعها، كما أن سماح بكين لتوطيد المصالح السعودية في سوريا أدى إلى شراكة أمنية مثمرة لكن محدودة النطاق مع الرياض.
  • التنين الصيني في سوريا: من الخطأ الظن أنّ الوجود العسكري الصيني في سوريا يعود لتاريخ 14 آب 2016، عندما وقع الجيشان السوري والصيني، اتفاقية تعاون عسكري يتضمن تقديم التدريبات والمساعدات الإنسانية لسوريا، الذي كان أحد بنوده تدريب عسكريين سوريين على الخدمات الطبية العسكرية في الصين. فقد ذكرنا بمركز فيريل للدراسات في برلين، في بحث “أكبر حرب للمخابرات في القرن تدور في سوريا” أنّ الوجود العسكري الصيني يعود لعام 2013، فيما يخصّ الحرب في سوريا، لكنّه الآن بات علنياً، وإذا كان نصّ الاتفاق العسكري طبياً، فهذا هو الشكل الإعلامي وحسب، إنّ اتفاقاً خفياً سيؤدي لتطورات استراتيجية على نطاق التعاون العسكري، ويقلب الموازين على صعيد التهديدات الأميركية. لهذا نرى في مركز فيريل للدراسات أنّ القادم من الشهور، سيشهد انتشاراً عسكرياً صينياً في سوريا، يكون دفاعاً عن بكين بدءاً من بوابة دمشق. تماماً كما تدافع روسيا عن موسكو عبر دمشق.
  • دفاع الصين عن بكين يمر عبر بوابة دمشق: يبدأ دفاع الصين عن أمنها القومي، بحربها على الحزب الإسلامي التركستاني ربيب منظمة القاعدة والمنضم حالياً في صفوف داعش وغيرها في سوريا، ويقدر مركز فيريل للدراسات عدد الأيغور في سوريا بنحو 8000 ما بين رجال ونساء وأطفال، بينهم 4400 مقاتل، يتوزعون بشكل رئيسي بالترتيب على داعش، جبهة النصرة، أحرار الشام، جيش الفتح، الجبهة الأوزبكية. هؤلاء وحسب معلوماتنا في المركز: “الأيغور جاؤوا ليموتوا”، هذا ما تريده بكين، ولن تسمح بعودتهم إليها نهائياً، وكونهم جاؤوا عبر تركيا، الشريك الإرهابي الأكبر في الحرب على سوريا، والعدو غير المعلن لبكين، فإن حساب تركيا قادم، وويل لها من التنين. ضمن هذا السياق كان قرار البرلمان الصيني المفاجئ نهاية 2015، بالسماح للجيش الصيني بالتدخل في أي مكان في العالم لمكافحة الإرهاب. وإن كان أيردوغان قد شجع  الحركات الاسلامية في تشينجيانغ الصينية، فإن تعاونها مع الجيش السوري عدو أيردوغان، لن يكون محدوداً، لهذا يرى صنّاع السياسة الصينية للحرب السورية على أنها فرصة ذهبية لتحقيق تقدم في أجندتها المعيارية، في ذات الوقت لتحقيق التوسع في العالم النامي والقارة الآسيوية بالتحديد التي تهمهم كثيراً، وفرض الصين كوسيط دبلوماسي ثقيل الوزن والنوع في المنطقة العربية، كما ساعد موقفها على توسيع مجموعتها من الحلفاء الدوليين. الثقل الدولي الذي تضعه الصين في سوريا لدعمها، قيّم للغاية، لطموحات بكين الجيوسياسية التي تتجاوز الحدود، لاسيما سعيها لنزع الشرعية الحاكمة للاهاي ضد السلوك التوسعي في بحر الصين الجنوبي. اهتمام الصين العظيم في سوريا هو عرضها القوي الذي تقدمه أمام المعايير التي وضعتها الهيمنة الغربية على مؤسساتها الدولية. عن طريق التعبير برسالة لا تؤثر أبداً على سيادتها، يمكن للصين أن تعزز تحالفاتها مع الدول النامية التي تدعم مطالبها في بحر الصين الجنوبي.
  • بكين وموسكو في سوريا: على الرغم من أن الصين تشترك مع روسيا الالتزام ببقاء الرئيس بشار الأسد كشرط أول لجميع الحلول. إلا أن صناع السياسة في الصين يشككون ضمناً حول نية روسيا بحل سياسي متعدد الأطراف. فالحكومة الصينية غير مرتاحة للضربات الجوية أحادية الجانب، فالبيان العسكري لوزارة الخارجية الصينية عام 2015 المتضمن أن العمل العسكري في سوريا ليس جزءاً من الحل في سوريا، لايزال يأخذ التمثيل الأساسي للموقف الصيني في سوريا بعد أكثر من 13 شهراً من التدخل الروسي فيها. لإظهار ذلك الاستياء، تدخلت الصين من جانب واحد في طرق اشتبكت أحياناً مع مصالح روسيا، وربما سنرى تمثيلاً أكبر في الأسابيع القادمة. وعلى الرغم من حفاظ بكين على علاقة قوية مع الدولة السورية، إلا أن تردد الصين بالتدخل في سوريا عسكرياً، قد وضع ذلك جانباً أمام بقية أعضاء مجلس الأمن الدولي. لقد ظهر استعداد صانعي القرار في الغرب على الاعتراف بالأهمية المحورية للصين، باعتبارها مؤثراً كبيراً في سوريا، بالإضافة لانخراط المسؤولين الصينيين الكبير المتمثل بزياراتهم، يمكن أن تشكل تأثيراً عميقاً وبالتالي موقفاً فاعلاً في مستقبل نتائج مفاوضات إنهاء الحرب في سوريا وإعادة الاستقرار.
  • الصين والأسد: دعم الصين للرئيس بشار الأسد، لا جدال فيه، وتعتبرهُ بكين مؤشراً على تنامي قدرة بسط سلطة بكين في منطقة الشرق الأوسط، من خلال توسيع نطاق النفوذ الصيني، ما يُنبئ بأن تصبح قوة عظمى ذات امتداد جغرافي سياسي عالمي. كما ساعد موقف الصين القوي الداعم لعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، عمّق من التصور بين صناع القرار في إيران أن بكين هي الشريك الاقتصادي والأمني الأكثر استقراراً، كما أن وقوفها في صف روسيا باستخدامها حق النقض الفيتو، واختيارها الحلف الذي تقوده روسيا ووقوفها بجانب الدولة السورية، يجعل من بعض الحلفاء المحتملين لها، أعداء، على الأقل في الفترة الحالية.
  • الجيش الصيني في سوريا: مصادر إعلامية غربية عديدة حذرت من تدخل القوات الصينية في سوريا ولفتت النظر بشدة لذلك، ودعت لتوخي الحذر والانتباه الشديد لهكذا تدخل يقلب موازين القوى، بل “يُرجّح الكفة” لصالح الدولة السورية في ساحات حربها الضروس، وتحدَّثت عن نية الصين دخول هذه الحرب عبر شن غارات جوية إلى جانب الطيران الروسي، مما يؤكد تطور التحالف الذي تقوده روسيا في سوريا، عدداً وعديداً، فيتعزز بقوة دوليّة دائمة العضوية في مجلس الأمن ذات قدرات عسكرية ومالية غير محدودة. الطائرات الصينية التي نقلت عنها بعض وسائل الاعلام هي من طراز J-15 منقولة على حاملة الطائرات الصينية Liaoning-CV-16، والتي وصلت إلى سوريا في 29 أيلول 2015، وتعتبر المرة الأولى التي تشارك بها الصين الشعبية بعمليات عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وهي المرة الأولى أيضاً التي تعمل فيها حاملة الطائرات المذكورة خارج نطاق المناورات، وضمن ظروف الحرب الحقيقية. كدليل مبطن على انخراط الصين الحقيقي في هذه الحرب وموقفها الجدي، هو ماصرح به وزير الخارجية الصيني في مطلع الشهر العاشر من العام الماضي فقال: “لا يمكن للعالم أن يسمح لنفسه أن يبقى متفرجاً ومكتوف الأيدي تجاه مايحصل في سوريا، وعليه ألّا يتصرف بطريقة غير منطقية تجاه مايجري هناك”. أي أن الصبر الصيني المعهود ذو المواقف الباردة والغامضة، قد تحوّل ابتساماتِ تحدٍ تنذر الدول العظمى والصغرى بأوان التدخل.

chengdu-j-20-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86

  • التنين والعم سام: يعي العم سام كثيراً أن التنين هو القوة الوحيدة القادرة على الإطاحة به كأقوى دولة في العالم، ما باله عندما يتصافح مع الدب الروسي للتعاون الجدي في مجال الاقتصاد ومكافحة الارهاب في سوريا رسمياً، وبشكل معلن. أليس ذلك ما تحاول أميركا الابتعاد عنه أو عن نتائجه على المدى المنظور كقوتين عسكريتين، وفي مرحلة إعادة الإعمار، كقوتين اقتصاديتين تقوم عليهما دعائم البناء القادم؟. ما يمكن أن يحصل بين أميركا والصين، هو أن يكون قدرهما التصارع كمحاربين خارجين من كتب الأساطير، مصيرهما المكتوب هو الصراع الأبدي الذي يتبطن باقتصادين كبيرين ووثيقي التعاون والتبادل، لكن أيضاً بسياستين متنافرتين لا يمكن أن تتجاذبا، فالقوة الأميركية العظمى ستلغي أي دور اقليمي أو دولي جديّ لها، أو بالأصح ستصبح مجرد دولة نووية قوية، فيما لو تماهت في سياساتها مع الصين، وطبعاً ستبقى عضواً دائماً في مجلس الأمن ومحركاً أساسياً لتوازنات القوى العالمية، أي لا قطبية.
  • الاستفزاز الصيني الدائم: الصين معروفة باستفزازاتها المتوالية لأميركا، والتي لاتملها، آخرها المناورات العسكرية في بحر الصين الجنوبي التي كانت لغايات أبعد مما قيل، ضمن نطاق تدريباتها العسكرية التي شملت المياه حول جزر شيشا المعروفة باسم جزر باراسيل، استفزاز أدى لزيادة التواجد العسكري الأميركي في بحر الصين الجنوبي، فتم نشر حاملتي طائرات وسفنهما المرافقة في بحر الفلبين، بالإضافة لثلاث مدمرات لمراقبة المنطقة بأكملها. في هذا السياق، صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية أن الأنشطة الأميركية المتكررة ليست أكثر من استعراض للعضلات والقوة، وإضعاف لإرادة الصين بحماية أمنها القومي وسيادتها الاقليمية، وقال: “هذا خطأ فادح، لن يتنازل الجيش الصيني أمام أية قوة خارجية، وإذا تعلق الأمر بأراضينا فسنحميها بالتأكيد، فإن لم نستطع، فلن نطالب بذلك، لأن إرادة وقدرة الصين على حماية سيادتها، كبيرة جداً.” أما الاتهامات التي وجهت إليها بتحريض من أميركا، من قبل الفيليبين بانتهاك السيادة الفييتنامية والأمن الملاحي، فقد صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية بأن التدريبات روتينية ولاتستهدف أحداً، فمحيط جزر شيشا جزء أصيل من الأراضي الصينية. إن هذا التدريب هو من ضمن التدريبات الروتينية التي تجريها، امتدت هذا العام من 5 تموز وحتى 11 تموز ضمن احداثيات تمتد من هلينان الصينية حتى باراسيل. ويذكر أن فييتنام وتايوان تطالب أيضاً بالسيادة على هذه الجزر. وقد شهدنا بعد هذه المناورات بشهرين، مناوراتٍ مماثلة للبحرية الروسية والصينية تحت مسمى التعاون البحري 2016، تستمر 8 أيام في بحر الصين الجنوبي ابتداء من 12 ايلول، شملت 18 سفينة حربية، 21 طائرة ومروحية، 15 قطعة من الآليات العسكرية، 250 جندياً من وحدات المشاة البحرية من كل طرف، هدفت لتوطيد التعاون العسكري بين البلدين. الجدير ذكره هنا والأمر المعروف في اللغة العسكرية هو أن القوات البحرية لاتجري عملية مشتركة مضادة للغواصات، إلا إذا اتسمت العلاقة بين الأطراف بالثقة المتبادلة والاستراتيجية العميقة، ويعتقد المحللون العسكريون الصينيون أن المناورات العسكرية الصينية المشتركة المضادة للغواصات، تتميز بمستوى عال من الصعوبات وتتطلب تنسيقاً دقيقاً بين السفن والطائرات للعثور على الغواصات ذات الأداء الجيد في كتم الأصوات. أمر آخر يدل على العلاقة المتينة والثقة المتبادلة بين الطرفين هو، استخدام التنسيق في النظام المعلوماتي بينهما، لرفع مستوى التنسيق في المناورات.
  • الصين وأميركا؛ اقتصاد أم سياسة؟ هل ستستطيع الصين أن تفصل بين تكاملها الاقتصادي مع أميركا، وبين سياستها الخارجية، أم أنها ستغير زاوية الرؤية، بحيث تصبح أميركا هي العدو الذي يمنعها من ممارسة ثقلها السياسي المعترف به في الأمم المتحدة وبشهادة جميع الدول. التعاون الاقتصادي بينهما يبلغ درجة غير مسبوقة، لكن الواضح أن الصراع السياسي سيأخذ تدريجياً مكانه في تلك العلاقة الاقتصادية الوثيقة والقديمة. بالرغم من انتشار الارهاب وتفشيه في الكثير من دول أوروبا وحتى أميركا، إلا أن الشغل الشاغل لأميركا بالرغم من أزمتها المالية والعنصرية والملف السوري الذي حشرها في الزاوية، هو الصين وتزايد قوتها وهيمنتها الدولية في العديد من المجالات، فالصين هي الملجأ الأول لأميركا في القروض المالية، وتمتلك الحكومة الصينية 1,2 تريليون دولار من الديون الأميركية وتكون بذلك أكبر دائني أميركا، وهو ما ذكرته في بحث “هل سيشهد جيلنا انهيار الامبراطورية الأميركية؟”. الرأي القائل أن زيادة الانفاق العسكري للولايات المتحدة الأميركية، في سبيل اقناع الصين بعدم جدوى مواجهة الهيمنة الأميركية العالمية، سيؤدي إلى مآلات أوسع وأخطر، إذ ستجعلها بدون نقاش أضعف اقتصادياً، وتلك حجة قوية لتجعل الصين أكثر عدائية، فتودي أميركا بنفسها لسباق تسلح جديد لن تستطيع الاستمرار به.




الوضع الاستثنائي للقرن الحادي والعشرين لايسمح بمثالية العلاقات، فإما أن تكون صراعاً محتماً وإما تحالفاً أبدياً، إذ أصبح لابد من الفصل بين الأولويات الاقتصادية ومايمكن التفاوض عليه، وبين ما لا يمكن المساومة فيه. وهذا تحول جذري ينبغي حدوثه على صعيد العلاقات الدولية المتوترة. والصعود الاقتصادي الصيني مقابل التراجع الأميركي الملحوظ، سيؤدي إلى خلل في موازين القوى المتأرجحة، كما سيعطي للصين الدافع للتغيير. الشهيق الصيني الذي دام طويلاً سيقابله زفيرٌ لا تستطيع دولة على الأرض مواجهته، وذلك بالرغم من أن الفرضية المنطقية تقول أن التعاون الثقافي والاقتصادي بين بكين وواشنطن، بلغ مستوى من العمق لا يسمح بأية مواجهة لو باردة، إلا أن التفكير الواقعي وغير العقلاني قد يقول العكس، فما نراه من أميركا الآن، مواقف لا تُحسد عليها لكنها بلغت حداً غير عقلاني لا يُنصَحُ نكرانه.

  • بدايات التعملق الصيني: في أواخر السبعينات بدأت الصين بالتخلي عن التخطيط الاقتصادي على النمط السوفييتي، لصالح مايشبه نظام السوق الحر الأميركي، وحين نما الاقتصاد في نهاية الثمانينات بدأت بزيادة الميزانية العسكرية لجيشها، وابتداء منذ عام 1997 بدأت الزيادة بأكثر من 10% في السنة. كما غيرت من طبيعة تدريباتها وخططها العسكرية وباتت تهيئ نفسها لحروب الفترة القصيرة، والكثافة العالية بدلاً من حروب العصابات أو المنخفضة التقنية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت القوة الناعمة الصينية بالظهور، ودشنت ما عرف باستراتيجية توزيع المكاسب “win-win strategy”، في سياستها الخارجية، واتخذت عبر ذلك مبادراتٍ حقيقية بالتوقيع على اتفاقية صداقة مع دول شرقي آسيا، كما ألزمت نفسها بالعمل على ايجاد طريقة للتعامل المرن في بحر الصين الجنوبي. ركزت السياسة الصينية على التعامل مع الدول التي لها علاقات مضطربة مع أميركا كالفيليبين وكمبوديا، والسودان وفنزويلا وأوزبكستان. تعتمد الصين في نقاط قوتها البالغة والمهددة لأمن اميركا الاستراتيجي وقواعدها في منطقة جنوب شرق آسيا، على الوحدة الاقليمية لدول تلك المنطقة التي قد تطال دعمها للولايات المتحدة الاميركية في حال نشوب نزاع في ظل أفول التواجد الياباني والتايواني. ويمكن أن يؤدي إلى تراجع في تحالف أميركا مع تايلاند وعلاقتها الحميمة مع الفلبين وتقليص وجود القوات في سنغافورة. عدا عن تفويض الصين للديمقراطية في المنطقة ودعم القادة الذين سعت اميركا لعزلهم وبذلك تقلع الصين جميع أشواك اميركا المنتشرة في جنوب شرق آسيا وترميهم بورودها. كلما نشرت الصين السلام والديمقراطية في محيطها كلما ازدادت فرص نمو اقتصادها الباحث عن ممرات للتسويق والتوزيع والبيع.
  • التنين عسكرياً: تعتمد صناعة الدفاع الصينية على انتاج أسلحة ودبابات من الدرجة الأولى بحسب ما وصلته من وسائل تطور تقنية سباقة، ومقترنة بالمساعدة التقنية من روسيا. وتتضمن تلك الصناعة انتاج طائرة G-10 المنافسة لـ F-16 الاميركية والمدمرة Long Class التي تضاهي سفن ايجس الاميركية، HQ 9 غواصات هجومية نووية، ونظام صواريخ أرض جو، المضاهي لنظام باتريوت الأميركي ودبابة تيب 98 الموازية في قدرتها للدبابات القتالية للبلدان الغربية والصواريخ الباليستية قصيرة المدى. هذا وتطوّر الصين أخطر سلاح من العالم، وهو الصواريخ الخارقة ” Wu-14 ” القادرة على حمل رؤوس نووية، والذي تسير بسرعة تعادل 10 أضعاف الصوت، أي 12300 كلم في الساعة، والذي اعترف البنتاغون أنه لا يوجد أي صاروخ يمكنه اعتراضه.

هل سيشهد جيلنا انهيار الإمبراطورية الأميركية؟ بحث لمركز فيريل للدراسات ـ برلين. سارة عيسى. Firil Center For Studies FCFS Berlin will our generation be a witness of the collapse of the American empire?

  • تايوان، نقطة الفصل: نقطة الخلاف الرئيسية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين هي تايوان، التي إن استطاعت الصين استردادها من دون معارك، تكون بذلك قد وصلت لمراحل متطورة من القوة اللازمة لمساومة أميركا والتخلي عن تايوان، كما سلّمت بريطانيا هونغ كونغ للصين بعد 100 عام في لحظة لم يعد لدى بريطانيا أي خيار آخر، إن المثال الأخير في حد ذاته يشير إلى ما تمتلكه الصين من قدرة على الصبر وكبح تسلط الدول وهيمنتها. وفي اللحظة التي تقرر فيها أميركا التخلي عن تايوان، لابد منها أن توضح أنها ليست مقدمة للتخلي عن جميع حلفائها، إنما شروط المساومة الصعبة دفعتها لذلك، وليس ذلك بمستحيل على العقل الصيني المدبر. أميركا لن تستسلم وتترك الصين تتغلغل بمنطقة جنوب شرق آسيا اقتصادياً، لأن ذلك سيلغي الهيمنة العسكرية الأميركية في آسيا، كما سينهي الانتصار الذي حققوه في الباسفيك في الحرب العالمية الثانية، ويعني ذلك أن بكين ستهيمن على نصف سكان العالم وأكثر من نصف اقتصاد الكرة الأرضية، الصدمة الآن أن ذلك يمكن أن يتحقق من دون مجهود إضافي يكافئ نظيرتها الأميركية عسكرياً، ودون زيادة نفوذها في أي من دول أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وأميركا اللاتينية. الكثير من المختصين بالشأن الأميركي في الداخل والخارج، لا يستبعدون وجود مثل تلك المساومة. أرعبت الصين أميركا في بحر الصين الجنوبي ومنطقة جنوب شرق آسيا قبل أحداث الربيع العربي بزمن طويل، فالصين تسعى لتحقيق المعادلة الصعبة بين غزوها للاقتصاد العالمي وتطورها عسكرياً، بنفس الثقل والتأثير. فإن استطاعت ذلك سيعود القطب الثاني إلى الظهور، بقوتين إحداهما متقهقرة، عجوز، والأخرى مزدهرة فتية. وبذلك سيختل النظام الحالي الذي كان يوازن الأمن الاقليمي لمنطقة آسيا، وتتصعد الخلافات في بعض جزر شرقي الصين وبحر الصين الغربي.
  • خلاصة القول: يبدو ودون شكّ، أن سوريا والحرب العالمية التي تجري على أرضها، باتت المفتاح لكل دول العالم، والمنتصر في سوريا، سينتصر في كل بقعة على الكرة الأرضية، وها هي أكبر قوة خفية تترك بحر الصين وتايوان والبوارج الأميركية القريبة، وتأتي إلى سوريا لتحقق انتصارها، لكن سيبقى أيّ انتصار لأعظم الدول… بمذاق سوري خالص…
  • بقلم الكاتبة والباحثة: سارة عيسى.
  • بحث لمركز فيريل للدراسات ـ برلين، ألمانيا. 05.11.2016

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

one × one =