الرئيسية » اجتماعي » قرار جريء بإلغاء مادة الديانة في سوريا

قرار جريء بإلغاء مادة الديانة في سوريا





عندما حاولت حكومة جميل مردم بيك سنة 1938، سنّ قانون جديد للأحوال الشخصية يستند على القوانين الوضعية في أحوال الإرث والزواج والطلاق، ويساوي بين كافة السوريين، وهذا كان اقتراح من المفوض السامي الفرنسي غابرييل بيّو، احتجّ مفتي سوريا ورابطة علماء دمشق، فأججوا احتجاجات في بداية السنة التالية 1939، مما اضطر حكومة مردم لتقديم استقالتها في شباط، وجاءت بعدها وزارة لطفي الحفار، فاقترحت على المفوض الفرنسي سلسلة تعديلات، غير أن المفوض الفرنسي رفضها جميعها، وأعاد إخضاع السوريين للأحكام الصادرة عام 1867 عن السلطان العثماني عبد العزيز الأول.

بعد الجلاء، وضع عام 1949 قانون الأحوال الشخصية السوري، المستند للشريعة الإسلامية مع اقتباسات من القانونين الفرنسي والمصري.

  • في الخمسينات من القرن الماضي، شهدت سوريا تحرراً وانفتاحاً نفتقرهُ هذه الأيام، وكان بصورة ما يُشابه الانفتاح الأوروبي مع الحفاظ أكثر على الأخلاق العامة، وكمثال: يقول المؤرخ السوري عبد القادر عيّاش “بدأ الحجابُ يختفي في دير الزور، وتخرج النساء للعمل والدراسة كالرجال، كما أنّ نتائج الانتخابات النيابية المتعاقبة توضح ذلك: في انتخابات العام 1949 فاز حزب الشعب الليبرالي المحافظ ومواليه بانتخابات مجلس النواب وحصد 63 مقعدًا من أصل 114، في حين حصل الإخوان المسلمون على 4 مقاعد فقط، الأمر ذاته في انتخابات العام 1953، حين حصدت حركة الليبراليين العرب 72 مقعدًا من أصل 82، وفي انتخابات 1954، حاز حزب الشعب على 30 مقعدًا وحزب البعث العربي الاشتراكي 22 مقعدًا والكتلة الوطنية 19 مقعداً، في حين حقق الإخوان المسلمون 4 مقاعد فقط من أصل 140، أما انتخابات عام 1961، فحقق حزب الشعب 33 مقعدًا والكتلة الوطنية 21 مقعدًا وحزب البعث 20 مقعدًا في حين حقق الإخوان 10 مقاعد من أصل 170.
  • هل هو تناقض في الدستور السوري؟ تنصّ المادة الثالثة من الدستور الصادر في 13 مارس 1973، أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، وتعتبر الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع. وأيضاً، تعتبر أكبر المذاهب الدينية داخل الإسلام في سوريا هم أهل السنة، ويعتبر المذهب السائد في البلاد هو المذهب الحنفي، والمذهب الشافعي هو المذهب الثاني من حيث انتشاره، علماً أنّ مدينة دوما تتبع المذهب الحنبلي.

بالمقابل وبعد هذا التمييز، نرى المادة الخامسة والعشرين في الدستور تنص على كون جميع المواطنين متساوون أمام القانون، المادة الخامسة والثلاثون من الدستور تتحدث عن الحرية الدينية للمواطنين، والمادة الثانية والأربعون، تدعو للحفاظ على الوحدة الوطنية، وتعتبرهُ واجب على كل مواطن، ليعود قانون الأحوال الشخصية فيلغي المساواة بين المواطنين السوريين، فزواج غير المسلمة بالمسلم، مسموح، بينما زواج المسلمة بغير المسلم محرّم، وأبناء المسلم الذي اعتنق ديناً آخر غير الإسلام حتى لو ولدوا من زواج لاحق لتغيير دينه، هم مسلمون. بينما يُحرم أبناؤه من الميراث إذا كانوا غير مسلمين! مع علمنا بوجود قانون أحوال شخصية هو عبارة عن مجموعة قوانين شخصية لكل طائفة من الطوائف توافق أحكام شرعها، وهذا يُجسّد انقساماً ضمن المجتمع الموحد.

  • نبيّن من مركز فيريل الحقائق التالية:
  1. أفضل فترة مرت بها سوريا من الناحية التحديثية العقلية، وحرية الفرد والمرأة واحترامها وإعطائها حقوقها، ومنذ مئات السنين، هي الفترة منذ الاستقلال حتى منتصف السبعينات، وبدأ التراجع مع ظهور الأخوان المسلمين.
  2. أقل فترة ظهرت فيها الطائفية وندرت أية خلافات أو صراعات على أساس ديني، هي نفس الفترة، وكان الشعار المسيطر دائماً: “الدين لله وسوريا للجميع”.
  3. أفضل فترة لسمو الأخلاق العامة، وتعاضد المجتمع السوري والتحامه، وقلة التحرشات الجنسية بالنساء، هي هذه الفترة، رغم أن الحجاب كان أقل انتشاراً.
  4. أكثر فترة نشطت فيها النوادي الثقافية والمسارح وبرز فيها أسماء العلماء والأدباء، وارتفع شأن العلم والمثقفين والفن، وتراجعت القيم المادية مقابل الروحية، هي الفترة بين الخمسينات ومنتصف السبعينات.
  5. منذ بروز الدين كعامل مسيطر في المجتمع السوري، وسطوة رجال الدين، تراجعت الأخلاق، وازداد التحرش الجنسي، وتراجعت معه حرية المرأة ومكانتها، وظهرت الطائفية بأبشع صورها، وانحدر الفن والثقافة والعلم، وبات الشعار الديني عامل تفريق وتمزيق للوحدة السورية.
  • المطلوب ليس إلغاء مادة الديانة فقط:

لا توجد مادة الديانة في اليابان، بينما توجد مادة الديانة في كل مفصل من مفاصل حياة الدواعش اليومية، فهل يمكننا المقارنة بين أخلاق اليابانيين والدواعش؟ إذاً /الدين لا يرتبط بالأخلاق/، وإلغاء المادة من المناهج التربوية هو الخطوة الأولى، والتالي هو الأهم؛ تعديل الدستور، وحذف كل ما هو ديني منه، فهل يعقل أن نُحكم بدستور تعود فقراته إلى زمن الاحتلال العثماني!! وإلغاء الخطاب الديني البغيض الذي يُميّزُ أصحاب هذا المذهب عن سواهم، ويزرع الحقد في نفوس وعقول القطيع، والاهتمام بمراكز الأبحاث العلمية والثقافية والفنية، تماماً كما تهتم الدولة ببناء المساجد والمعاهد المرافقة التي خرّجت عشرات الآلاف من الإرهابيين السوريين. من المعيب أن يكون في سوريا 25 ألف دار للعبادة، وليس فيها مركز أبحاث علمية… معيبٌ هذا يا حكومتنا، ومفضوحٌ هذا السلوك…

  • فليطمئن الأهل والغيورون على الدين:

إنّ إلغاء الديانة من المناهج التعليمية لن يؤثر على معلومات الطلاب الدينية، فمئات المحطات الفضائية الدينية وآلاف رجال الدين، ودور العبادة، كفيلة بترسيخ ما يريدون من تعاليم الدين. هذا عدا عن كون المادة حفظية إلزامية، والمعلومات التي يأخذها الطالب وفق مناهجنا ذات الطرق التقليدية القديمة، سرعان ما ينساها عندما يُقدّم ورقة الامتحان، فمن من طلابنا حفظ الدين من مدراسنا؟ وإن كان أحد أعضاء مجلس الشعب السوري قد طرح ذلك، مشكوراً، ولقي معارضة علنية وخفية، فيجب ألا يكتفي المسؤولون الذين تهمهم مصلحة الوطن، قولاً وفعلاً، بهذا الطرح، والعمل على تحقيق الأهداف الآنفة الذكر. وعندما يُقابل بناء كل دار عبادة بناء مركز صحي، مدرسة، مركز ثقافي، مركز أبحاث، دار أيتام غير طائفية، ملعب أطفال، عندها فقط سنقول: “لدينا حكومة غير إخونجية”.

  • الحكومات السورية الإخونجية السورية المتعاقبة:

هي المسؤولة المباشرة عما يجري في سوريا، وكما قلناها مراراً وتكراراً في مركز فريل للدراسات، “الأخوان المسلمون الجدد” يحكمون سوريا، أخوان مسلمون جدد بربطة عنق وابتسامات خبيثة، يتوزعون على وزارات الدولة، قبلوا الانفتاح على تركيا الإخونجية وقبضوا مئات الملايين لبناء المساجد من السعودية، السعودية بلد الإرهاب الأول، تتبرع لبناء المساجد، والمسؤولون يقبضون والأصح يرتشون، وهذه هي النتيجة، فلا تلوموا عقول الدواعش التي غُسلت بمياه السعودية الآسنة. 25 ألف دار عبادة، وهذه هي الأخلاق، فكم يجب أن يكون العدد كي تصبح أخلاق “الدواعش” كأهل اليابان الكافرين؟ 25 ألف دار للعبادة أنتجت هذه العقول “العبقرية” المنفتحة على حوريات جنة اللات، فهل يؤمن أهل اليابان “المتخلفين” بالحوريات؟

  • الدواعش: ليسوا بالضرورة أعضاء في تنظيم داعش الإرهابي، فلدينا منهم من الجنسين وما أكثرهم، في كل دائرة حكومية، ويجلسون وراء المكاتب العاجية ويركبون سيارات الفيميه، ويُكبّرون و “يفدون بالروح والدم”…
  • الغرب يخطط لبناء محطة فضائية كبرى، تستوعب الآلاف، والوصول لكواكب ومجرات أخرى، ولدينا قطيع كبير مازال يؤمن أنّ الأرض منبسطة، وأنّ المرأة يمكن أن تحمل من الجنّ، وأنّ القمر الليلة اقترب من الأرض بسبب ابتعاد الناس عن الدين! وطالما يتم “تمسيح الجوخ” لرجال الدين، وطالما الخطاب الديني هو المسيطر في كل شهقة وزفرة للمواطن السوري، وطالما يتم افتتاح حتى جلسة الرقص الشرقي بخطبة دينية عصماء، وصور سلفي لأصحاب الذقون من الوزراء “الإخونجيين الجدد”، ستبقى الحرب في سوريا دائرة… ستبقى الحرب وإن انتهت.
  • الإبقاء على الخطاب الديني المقيت، ودور “الحقد والبغضاء” المسماة دور عبادة مجازاً، يعني أنّ الذين يُحافظون عليها والمنتفعون منها، هم الذين دمّروا سوريا أكثر مما فعل أعداؤها.

مركز فيريل للدراسات ـ برلين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

three × one =