الرئيسية » اجتماعي » التعفيش. مركز فيريل للدراسات ـ برلين

التعفيش. مركز فيريل للدراسات ـ برلين





عَفَشَ الشيءَ، عَفَشَ عَفْشًا: جَمَعَهُ، وعفَشَ أثاث البيت: جمعه ونقله لمكان آخر، والعَفشة هي ما يُرمى من الذبيحة كالأمعاء والقوائم. وقد أطلقت تسمية العُفاشَة على الأناس الذين لا خيرَ فيهم، وتستخدم كلمة “العفيشة” للأشخاص الذين لا أخلاق لديهم، وهم نوع من اللصوص الذين انتشروا في الدولة العباسية، ويقومون بسرقة أيّ شيء تصلهُ أيديهم. و “العفيش” هو الإنسان السقيط.

التعفيش في الحرب في سوريا:

انتشرت ظاهرة سرقة المنازل والدوائر الحكومية والخاصة والمعامل والمحلات التجارية، خلال الحرب في سوريا، وقام بها أشخاص معادين ومؤيدين للدولة السورية، سوريون ومن جنسيات أخرى كالأتراك والشيشان والتركمنستان والألبان وغيرهم. وقاموا بسرقة كل ما تطاله أيديهم من سيارات أثاث وأدوات كهربائية ومعامل، وقاموا حتى باقتلاع السيراميك وأزرار الكهرباء والأبواب والحنفيات، لتباع في أسواق خاصة بأسعار زهيدة. وتنتشر هذه الأسواق في كافة المدن السورية دون استثناء، نكرر دون استثناء؛ في دمشق وريفها ودرعا وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس وحلب وإدلب ووو…

تشكلت عصابات كاملة من الأشخاص المسلحين “المعفشين” فباتت عبارة عن مافيات لها رأسها الذي يكون مسؤولاً عسكرياً، وعناصر تتبعهُ وتتلقى الأوامر منه، ويتم تجميع المسروقات بمكان ما ثم بيعها لتاجر جملة أو بالمفرق لدى “المعفشين” الصغار.  وبالتالي نشأت طبقة من أثرياء الحرب باتت تشكّلُ ثقلاً قادماً على الدولة، ستعاني منه لاحقاً.

  • زار مركز فيريل للدراسات أحد مخازن “المعفشين” وشاهد ما شاهد، كان المخزن مختصاً بسرقة مواد إكساء الأبنية، وهو عبارة عن شقتين سكنيتين كبيرتين لأحدهم، حولها إلى مخزن للمسروقات بعد أن نقل عائلته للسكن بمكان آخر. بعض المسروقات كانت ألمانية الصناعة وتباع في الأسواق بسعر يعادل ستة أضعاف السعر الذي عرضه “المعفش” على مركز فيريل. المفاجئ أنه سألنا ماذا نحتاج كي يأتينا به: “جاكوزي، سيراميك إيطالي، حنفيات مطلية بالذهب..” وقال لنا اختاروا المحل الذي تجدون به طلبكم، واتركوا الباقي علينا. تحققنا من أمر هذا “السقيط”، فوجدنا أنه مجرد صبي لدى حوت كبير، يُسيطر على أكثر من 40 مسلحاً، مهمتهم هي ارتداء لباس عسكري وحمل السلاح وتتبع الجيش السوري، وعندما يحرر منطقة ما، يأتي دورهم في التعفيش والسطو، وبالتتبع الأعلى وجدناهم مدعومون من مسؤول كبير، هنا توقفنا عن التتبع…

أيضاً التقى مركز فيريل بأحد المعفشين، الذي كان لديه حجته لسرقة البيوت التي تركها أصحابها وهاجروا إلى خارج الوطن، قال: “الذنبُ ذنبهم، ليش تركوا البلد!؟”.

“التعفيش” واحدة من أقذر المهن التي ينعدم لدى الذين يقومون بها أي إحساس إنساني أو رادع أخلاقي، وتنتشر في المجتمع السوري بصورة وقحة، ويجلس “السقيط” في المقاهي يتحدث عن حبّ الوطن والشرف والأخلاق! ليس هذا فقط، بل يتهم “السقيط” الآخرين بالخيانة!

  • “التعفيش” ظاهرة بحاجة لحلّ فوري الآن، الآن وليس غداً من القيادة السورية. في دمشق هناك سوق صغير للأدوات المستعملة، كان في سوق الهال القديم، كانوا يسمونه “سوق الحرامية”، سؤالنا: “كم سوق حرامية أصبح الآن في دمشق؟”… على القيادة أن تتدخل فوراً كي لا تصبح ثقافة “التعفيش” ثقافة تقليدية تُربى عليها الأجيال، ولا نرى لاحقاً هذا “السقيط” على شاشات الفضائيات يُحدثنا عن “الشرف” في جمع ملايينه…

مركز فيريل للدراسات ـ برلين. 17.11.2016

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

nine + 6 =