الرئيسية » ثقافي » الحرب النفسية والطابور الخامس…

الحرب النفسية والطابور الخامس…

استخدم الإنسان، ومنذ القدم، أساليب ووسائل متعددة للسيطرة على أفكار ومعنويات عدوه وتسخيره وفق مشيئته، ومَن يتصفح كتب التأريخ يجد الكثير من الوقائع التي تدل على ذلك، فالحرب النفسية أو حرب الكلمة، حقيقة قديمة موجودة منذ أن وجد الصراع البشري، ولكنها كمصطلح لم يظهر الاّ بعد الحرب العالمية الثانية.

يقول نابليون بونابرت عن معنى قوة الكلمة: “إنني أرهبُ صرير القلم، أكثر من دوي المدافع”. وكان إيمانه قوي بمفعول الكلمة، فقد كتب عام 1796 يوم كان قائداً عاماً لجيشه في إيطاليا: “من المستحسن أن لا يتعرض الصحفيون لملك سردينيا، وأن لا ينشروا عنه سخافاتٍ بعيدة عن الواقع، هناك شطحاتٌ ترتكز على إشاعات خاطئة، تسيئ إلينا وتخلق لنا الاعداء من حيث لا نريد.

بعد الحرب العالمية الثانية غدت الحرب النفسية في مقدمة الأسلحة التي تتحارب فيها الدول فيما بينها. لا تستند الحرب النفسية على قواعد علمية ثابتة في ميدان عملها، حالها في ذلك حال الدعاية السياسية وقد أطلق الإعلاميون على “حرب الكلمة” مصطلحات وتسميات أخرى عديدة، منها الحرب النفسية، وهي أكثر شيوعاً من بقية التسميات: غسل الدماغ، حب المعتقد، الحرب الباردة والحرب السياسية، وحرب الأعصاب، ولكن كل هذه المصطلحات تعني جميعها مفهوماً واحداً .

تعريف الحرب النفسية

هي: “الاستخدام المدبر لفعاليات معينة معدة للتأثير على أراء وسلوك مجموعة من البشر، بهدف تغير نهج تفكيرهم.” وتشمل بمعناها الواسع استخدام علم النفس لخدمة الهدف بأساليب الدعاية والإشاعة والمقاطعة الاقتصادية والمناورة السياسية، وتعتبر أقل الأسلحة كلفة، ولا يقتصر استخدامها على وقت الحرب فقط، بل هي عملية مستمرة، كما لا يمكن معرفة نتائجها إلا بعد أشهر أو ربما سنين. كما يعرفها بعض خبراء الإعلام والدعاية بأنها: “استخدامٌ مخطط من جانب دولة أو مجموعة من الدول للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية الموجهة إلى جماعات عدائية أو محايدة أو صديقة، للتأثير على آرائها وعواطفها ومواقفها وسلوكها، بطريقة تسهم في تحقيق سياسة وأهداف الدولة المستخدمة”.

أهداف الحرب النفسية

يمكن إجمال أهداف الحرب النفسية بأتباع سياسة أيديولوجية ومعنوية، والعمل على توسيع وقيادة عملية التأثير على الجماعة، سواء في الحرب أو السلم، من خلال استخدام وسائل التأثير على معنويات وأخلاق المواطنين .وقد حدد البروفسور رجيارد اكروس، الذي كان يشغل رئاسة الحرب النفسية في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية أهم أهداف هذه الحرب بالتالي:

  1. تحطيم قيم وأخلاقيات الشعب الذي توجه اليه الحرب النفسية، وإرباك نظرته السياسية.
  2. قتل كافة معتقداته ومثله التي يؤمن بها.
  3. إعطاؤه الدروس الجديدة ليؤمن بعد ذلك بكل ما نريد أن يؤمن به.
  4. أجراء عملية غسل دماغ
  5. زيادة شقة الخلاف بين الحكومات وشعبها.
  6. غرس بذور الفرقة بين أبناء الشعب.

تبلغ الحرب النفسية أهدافها بما يلي:

  1. الانهزامات العسكرية، التي تجعل سكان الطرف المنهزم مستعدين نفسياً لقبول أية دعاية.
  2. اقتراب نهاية الحرب، مما يدفع السكان للأخذ بتوجيهات الاحتلال.

اعتمدت الحرب النفسية أساليب وصيغاً مختلفة، إلا إنها تتداخل مع بعضها البعض لتصل بالنهاية الى تحقيق غرضها ومن أهم هذه الاساليب:

  1. الدعاية: أحد أسلحة الحرب النفسية الفتاكة، مما حفز الدول على التفنن في كيفية استخدامها في الحروب، وتستهدف تحطيم معنويات السكان وتهيئتهم نفسياً لقبول فكرة الحرب وما يترتب عليها وما ينجم عنها من ويلات، إضافة الى تثبيط عزيمة العدو ومحاولة التأثير على الدول المحايدة. ولابد هنا من الإشارة الى أن الدعاية تشمل كل وسائل الاتصال الجماهيري وهي في الوقت الحاضر الفضائيات والاذاعات والصحف والانترنيت.
  2. الإشاعة: يصنف علماء النفس الإشاعات إلى ثلاثة أصناف رئيسية هي: إشاعة الخوف، وإشاعة الأمل، وإشاعة الحقد. مع التأكيد من إن الإشاعة تسري في جسد الشعب ضعيف الأعصاب كسريان النار في الهشيم.
  3. الضغوط الاقتصادية:تمارس بطرق متعددة منها الحصار الاقتصادي والمقاطعة الاقتصادية، بهدف منع وصول الأطعمة والمواد الضرورية وتجميد إمكانيات البلد الانتاجية، مما يؤدي إلى الجوع والحرمان الذي من شأنه أن يخلق أزمات نفسية ونقمة متزايدة.
  4. المناورة السياسية: التي تتكامل فعاليتها وترتبط بالعوامل السابقة التي تم ذكرها كالدعاية والاشاعة، وتبرز المناورة السياسية بشكل خاص وقت السلم، وبمظاهر متعددة منها التهديد المستمر بالحرب كالتهديد الذي مارسه هتلر منذ عام 1936، والذي جعل تشكوسلوفاكيا آنذاك تتنازل عن منطقة السويدات، دون أن يُطلق طلقة واحدة.
  5. التلويح الدائم باستخدام القوة.
  6. الأعمال العسكرية الرادعة: وتأتي استكمالاً لأقسام الحرب النفسية الأخرى وتأخذ أشكالا متعددة منها شن الغارات الجوية والحركات الاستنزافية واستخدام الاسلحة بكل أنواعها.

كيف نواجه الحرب النفسية؟

أولاً: مكافحة نشاط الجماعات المعادية في الداخل أو ما أصطلح على تسميته بالطابور الخامس، حيث ظهر هذا التعبير خلال الحرب الاهلية الاسبانية، عندما قال الجنرال (مولا ) أحد قادة فرونكو: “إن أربعة أرتال تتقدم على مدريد للاستيلاء عليها، ولكن هناك رتل خامس كامل داخل المدينة، لديه القدرة على إنجاز ما لا يستطيع أي رتل انجازه”. والرتل الخامس “الطابور الخامس”؛ سلاح فعال مهمته تحطيم كيان الأمم من الداخل، بإضعافها وتفتيت شملها بالإشاعات لإثارة الفزع بين صفوف المواطنين والنعرات القومية والطائفية والعرقية، والقيام بأعمال الشغب والتخريب التي تخلق الفوضى.

ينبغي مواجهة الطابور الخامس بشدة وصرامة، واتخاذ التدابير اللازمة لوقف نشاطه بالتنسيق مع فعاليات الحرب النفسية الأخرى وفي مقدمتها الإعلام، الذي تقع عليه مسؤولية كبيرة بالكشف عن أهداف العدو أمام الرأي العام المحلي والعالمي، كوسيلة من وسائل الدعاية المضادة بالإضافة لاعتماد التالي:

  1. منهاج توعية شامل يهدف لتنمية الشعور بالمسؤولية لدى المواطنين، مع توضيح دقيق للدور الخطير للمجموعات المعادية وإيضاح وسائلهم وأساليبهم التخريبية .
  2. تحقيق الوحدة الوطنية، وقطع الطريق على محاولات زرع بذور الفرقة، وقد أثبتت الحرب على العراق 2003 أن الشعب المفكك الأواصر، خير مرتع للأعداء.
  3. اتخاذ تدابير كفوءة لمواجهة الإشاعة من أهمها؛ إطلاع الشعب بشكل صادق على ما يجري بعيداً عن أساليب الخداع والمراوغة التي سرعان ما يكتشفها الشعب .
  4. وضع سياسة إعلامية وطنية موحدة للشعب، والتحذير من محاولات إشاعة عوامل الفرقة والتناحر بين أبناء الوطن الواحد، والتصدي لمثل تلك المخططات التي تسهل للأعداء تحقيق مآربهم .
  5. مد جسور الثقة بين الشعب والسلطة، وتعميقها والتواصل الحقيقي مع المواطنين والاستماع الى شكواهم وآرائهم ومناقشتها معهم .

ثانياً : اتخاذ تدابير عملية بالاعتماد على علم النفس والاجتماع والسياسة والسوق العسكري، لمجابهة ما يخطط له العدو حالياً ومستقبلاً. يتطلب ذلك دراية ومعلومات واسعة عن الجانب الآخر (العدو) يمكن استحصالها من خلال مواطني البلد في الخارج.

تحيا سوريا بأبنائها فقط

بقلم المهندس: نقولا فياض. هامبورغ، ألمانيا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

nineteen − four =