الرئيسية » أبحاث » سوريا الطبيعية واحدة منذ 3000 عام. وثيقة تاريخية

سوريا الطبيعية واحدة منذ 3000 عام. وثيقة تاريخية

في الوقت التي تسعى فيه الدول الصغيرة للاتحاد، كي تكبر ويكبر معه شأنها وقيمتها بين الأمم، ينهجُ بعض الطامحين للزعامات إلى تنفيذ مخططاتٍ جاهزة بتجزئة المُجزأ، واقتطاع أراضي الغير واحتلالها، وإقامة كيانات وكنتونات، لم يكن ولا يمكن أن يكون لها شأنٌ عندما تُحسبُ الأمم وتُقدسُ الحضارات. وفي الوقت الذي يُتحفنا “عباقرة التاريخ” بأنّ كلّ شيء يعود لتسمية واحدة تُلازم أية حضارةٍ أو قومية في سوريا، يعود إلى عُربان البادية الجهلاء، ها هو الغرب يقول الحقيقة ويُسمي الحضارات بأسمائها الحقيقية، وها هم مدونو التاريخ الحقيقيين يُظهرون الوثائق التاريخية، التي نفتخرُ بكوننا سوريين وسوريين فقط لا قبلها ولا بعدها…

التالي مقالة للكاتب والباحث السوري فايز مقدسي حول وثيقة تاريخية عن سوريا الطبيعية الواحدة منذ 3000 عام.




كان الملك العظيم الأموري السوري سرجون الكبير، الألف الثالث قبل الميلاد، أول ملك سوري يوحد أرجاء وأقاليم المنطقة التي يطلق عليها اسم الهلال السوري الخصيب. أي ما هو اليوم لبنان وجزيرة قبرص وجزيرة كريت والأردن وفلسطين وسوريا والعراق، ومقاطعة كليكيا، التي تحتلها تركيا وكل أعالي الجزيرة السورية والأناضول، أرض الإمبروطورية السورية الحثية_الحورية_الميتانية الأولى والثانية، الألف الثالث والثاني قبل الميلاد.

وكان حمورابي، الملك المشرع، الألف الثاني قبل الميلاد، الملك الأموري السوري الثاني الذي أعاد توحيد سـوريا الكبرى. وجاء بعده عصر الامبروطورية الآشورية، الألف الأول قبل الميلاد، حيث أعاد  الملوك السوريون في ذلك العهد، توحيد كافة أرجاء الهلال السوري الخصيب في إمبروطورية واحدة، جمعت المجموعات السورية من أمورية وسومرية  وحثية _حورية_ميتانية وكنعانية _ فينيقية، كما سمى اليونان كنعاني ساحل البحر المتوسط من لبنان إلى سوريا إلى فلسطين،  ومن  بابلية وأكادية آرامية وآشورية أو سريانية، أي كل المجموعات المشرقية والآرية، التي اختلطت عبر الزمن في حياة واحدة وثقافة واحدة وروحية واحدة ولغة واحدة، رغم تعدد اللهجات حسب الأماكن وبعدها أو قربها عن بعضها البعض، واختلاط سكانها مع شعوب متنوعة وبشكل خاص اليونان (علاقة قديمة جداً، كان فيها تبادل كبير على جميع المستويات). ومن ثم إيطاليا أو الرومان (علاقة أيضا قديمة وطويلة الأمد) وعلى عكس ما يفكر البعض. وقد وجدت قبل ذلك علاقة خاصة جداً، مع مصر في العهد الفرعوني على زمن دخول السوريين الذين عرفوا باسم (الهكسوس) إلى مصر، والذين حكموا مصر على مدى ثلاثة قرون، والذين كانوا أول من أدخل الحصان إلى مصر وكافة أرجاء سوريا. واسم هيكسوس يأتي من اسم الحصان ويدل على الفارس. وكان اسم الحصان بالسورية القديمة  (ساس)، وهي كلمة بقيت الى اليوم في بلادنا في صيغة (سايس) يعني الذي يهتم بالحصان.

من النادر أن يعرف أحد أو يتحدث عن هذه الارتباطات والعلاقات بين سوريا ومصر، رغم أنّ انعكاساتها على التاريخ والثقافة كبيرة جداً، كما يتبين لمن يدرس التاريخ القديم على صورة صحيحة، ليس فيها تأثير ديني أو عقائدي معين، مثل الذين لا يرون في تاريخنا القديم سوى قبائل جزيرة العرب وحسب، وكأنّ تاريخنا بدأ في القرن السابع للميلاد، وليس قبل الميلاد بآلاف السنين!. نلاحظ هنا أمراً هاماً وهو أن تاريخنا كسوريين، لا يقوم على العلاقات  القبائلية،  كما هو حال العرب في الصحراء أو حال القبائل اليهودية العبرية، التي دخلت أرض كنعان كما تروي التوراة، ولا على الأنساب كما هو حال  العبرانيين والعرب القدماء، بل على بناء ثقافي فكري فلسفي مادي روحي عز نظيره، كان أساس الحضارة العالمية، دون أن ننسى أن السوريين والمصريين القدماء، ابتكروا الكتابة في أول اشكالها ودونوا تاريخ حضارتهم  وأعطوا العالم أعظم اكتشاف عرفته الإنسانية، وعلى وثائق مكتوبة ومدونة، ولم يعتمدوا على النقل الشفهي كما كان حال العرب حتى بعد الإسلام، وقبلهم حال  قبائل اليهود.

عندما نتحدث في التاريخ القديم لسوريا الكبرى ولمصر، فالحديث يتم عن شعب ونظام حكم ومؤسسة دينية  قائمة على أسس حضارية، وليس على قبائل وعشائر متفرقة وبدائية تحكمها العادات والتقاليد والكلام الإلهي. ونلاحظ أيضا أن القوى الإلهية في الدين السوري والدين المصري، ليست قوى متعالية على الإنسان وبعيدة عنه، وليست شديدة المحال، بل تسكن الأرض والسماء، وليست بعيدة عن الإنسان، بل تسهر على راحته وتأمين ضروريات حياته على الأرض. ونلاحظ أنه في نصوص سورية  قديمة قدم التاريخ، يعتبر الإنسان نفسه ابنا لله وينادي الله بلقب (أبي)، وهو ما نستطيع قراءته في نصوص  مملكة أوغاريت السورية القديمة، الالف الثاني قبل الميلاد.  ولكن ابن أو آب لا تدل على القرابة كما هي اليوم، بل على الصنع والخلق. تعبير (ابن الله) يعني مخلوق الله، وحيث يقبل الله ملك السماء أن يضحي بمخلوقه ابنه، الذي يتراءى للناس من خلاله في سبيل البشرية، ثم يبعث هذا الابن من الموت بتدخل السيدة المرأة السماوية السورية إيننانا أو عشتار أو عنات أو عشتروت. ثم أفروديت وفينوس (وايزيس في الدين المصري)،  التي تنزل الى أعماق الأرض (الجحيم) لتستعيد ابنها  وحبيبها  دموزي أو تموز أو البعل حدد أو أدونيس الذي مات، وتعيده الى الحياة بعد تغلبها على الموت.

هنا نرى صورة للمرأة لا مثال لها في التاريخ، وغير موجودة في منقولات  القبائل البدوية والعبرانيين، التي تجعل المرأة مسؤولة عن فقدان الجنة وعن  شقاء الرجل. والتي لم تكن تتمتع بأي حق من الحقوق آنذاك.

كما نلاحظ ببساطة أنّ المسيحية السورية الحقيقية كما علمها السيد المسيح، قد ورثت كل ذلك قبل أن يحورها آباء الكنيسة ويجعلوها موروثاً عبرانيّاً. أما الحديث عن تداخل الثقافة السورية القديمة مع ثقافات اليونان وروما وانتقال الفكر السوري الى هاتين المنطقتين على ساحل المتوسط، وتغلل الثقافة السورية فيهما، فهذا يحتاج إلى بحث خاص أرجو أن أكتبه قريبا. 

إلى القارئ الكريم نصّ الوثيقة التاريخية التي عثر عليها في العراق، وهي تعود للعهد السوري الآشوري، وتأتي على لسان الملك السوري الآشوري الشهير  آشور ناصر بعل (القرن التاسع قبل الميلاد)، الذي حمل لقب  ملك  الأركان الأربعة .  وبالآشورية القديمة  SHAR _KIBRAT_ERBETTI… شار ملك كبرات كبيرة أربعتي أربعة، وتعني حرفيّاً: “ملك أكبر الأركان  الأربعة”، أي كل ما نسميه اليوم سوريا الكبرى  أو الهلال الخصيب. تبيّنُ الوثيقة أن توحيدَ الأقاليم الأربعة الكبرى المكونة لسوريا، كان الشاغل للملوك السوريين الأقوياء، الذين لم يكونوا  يجهلون تاريخهم أو يتنكرون لماضيهم الحضاري المُشرّف:

أنا آشور ناصر بعل، ملك آشور

في الأصل اشار_مت_اشور

أنا الملك العظيم، الملكُ  الجبّار، الملك الذي لا يضاهيه أحدٌ من الملوك.

أنا ملكُ العالم وملك الأركان الأربعة

أنا شمسُ شعبي، وأنا الساهرُ على راحة شعبي

السماء اختارتني ملكاً

قمتُ بالحملات

قهرتُ أعدائي

وتسلّقتُ الجبال الشاهقة، جبال البلاد البعيدة

ومضيت إلى حيث لم يمضِ ملكٌ من قبلي

قهرتُ القبائل وجعلتها تخضع لي

أنا الملكُ الذي باركتِ السماء أعماله في أرجاء أركان العالم الأربعة

مملكتي امتدت من ضفاف نهر دجلة ونهر الفرات، إلى جبل لبنان وحتى البحر الكبير المتوسط.

أنا ملكُ الكون

ملك الكون في الأصل  SHAR_KISHATI

 

شار: تعني شرعي.  كيشاتي: تعني كلشي أو كل شيء، أي الكون.

قدّم للوثيقة ونقلها إلى العربية الكاتب والباحث: فايز مقدسي

إدارة التحرير: الكاتبة والباحثة سَارة عيسَى

مركز فيريل للدراسات ـ برلين

Firil Center For Studies FCFS, Berlin

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

10 + 15 =