الرئيسية » ثقافي » الشيفرة الإسرائيلية؛ تيران وصنافير. مركز فيريل للدراسات. فيديو

الشيفرة الإسرائيلية؛ تيران وصنافير. مركز فيريل للدراسات. فيديو

 

لا ترى شريحة واسعة من النخب العربية في القضية الفلسطينية إلا استعماراً استيطانياُ استولى على أرض فلسطين وشرّد شعبها، عطفا على شعب الله المختار، ولا يدركون أن إسرائيل ليست إلا جزءا من مشروع متكامل  صنعه الغرب الرأسمالي لمصالحه بالدرجة الأولى، وجنّد له كل ما أوتي من أسلحة ثقافية واقتصادية وسياسية وعسكرية، واستثمرها في اليهود ليكونوا إحدى أدواته، ولو تمعنا مليا فيما يجري اليوم من حروب وخراب وتفكك،  لاكتشفنا كم نحن قصيري النظر، كسيحي العقل، وإلا لما لسعنا آلاف المرات وذبحنا عشرات المرات ودفنا مرة واحدة، رغم ذلك… نعتبر أنفسنا أحياء!!

نتحدث اليوم في مركز فيريل عن الجزر المصرية (تيران وصنافير) التي تسلمتها السعودية من مصر لتسلمها بدورها لإسرائيل!!… هذا هو المشهد الذي يتبادرُ للعقل الأسير داخل القضية الفلسطينية وفوبيا اللوبي الصهيوني: (نحن واسرائيل فقط…!) لنكتشف فيما بعد (ربما بعد عقود لشدة غباءنا) أننا سلمنا بحارا وأوطانا للاعب الأكبر أمريكا وتوابعها الأوروبيين، فإذا كانت اسرائيل ستسيطر برعاية سعودية على جزر صغيرة في عنق البحر الأحمر، فإن واشنطن ستمتلك خليج العقبة كاملا بتحويله من بحر مغلق تتحكم فيه الدول المطلة عليه، إلى بحر مفتوح أي مياه دولية بلا عناء ولا صراعات في الهيئات الأممية، كيف؟؟؟.

جزر تيران وصنافير تكشف التحول في الإستراتيجية الصهيوأطلسية

يجمع الخبراء أن هذه الجزر غير المأهولة لا أهمية لها، إلا لكونها محميات طبيعية تحتضن حيداً مرجانيا ضخماً، يعج بالكائنات البحرية النادرة، وأراضاً فارغة ذات بيئة عذراء ليس إلا، أما الحديث عن مشاريع تنموية وجسور وتعاون اقتصادي، فهو افتراءات ودسائس إعلاميه لإخفاء قيمتهما الإستراتيجية، وتمويه عن الأسرار الحقيقية لتمليكها للسعودية، ولو عدنا لتاريخ زرع اسرائيل في المنطقة لوجدنا أنّ أزمة الجزر والصراع حولها، ولدت بالتوازي مع نكبة فلسطين،  ما يعني أنها مبرمجه سلفاً كجزء من المشروع ككل، فمنذ إعلان قرار التقسيم الذي أوجد اسرائيل ودشن مأساة فلسطين سنة 1948، كانت عين العصابات الصهيونية وحاميها  البريطاني ومن بعده الأمريكي على البحر الأحمر وخليج العقبة، الذي كان بحرا مغلقا تحت تصرف الدول المطلة عليه حسب القانون الدولي للمضايق والمياه الإقليمية، أما مفتاح غلقه وفتحه مضيق، فهو جزيرة تيران كما سنرى لاحقاً، أي مصر والأردن والسعودية هم المعنيون بالتصرف في الخليج وفي موارده وملاحته، ولا وجود لإسرائيل التي لا تطل عليه، بحكم خرائط قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، واتفاقيه هدنة رودس مع الجانب المصري بتاريخ 24 شباط 1949، لكن إسرائيل لم تمهل العرب، وهجمت في عمليه بربريه بقيادة الإرهابي اسحاق رابين (من سخرية القدر نيله جائزة نوبل للسلام)، على قرية أم الرشراش المصرية وأبادت بتاريخ 10 مارس 1949 كل الحامية المصرية المرابطة هناك،  وأسست بالإرهاب والغدر منفذا على خليج العقبة،  في تحد مفضوح لقرار الهدنه وأسست ميناء إيلات،  لتصبح الدولة الرابعة المطلة عليه بالقوة وبتأييد ودفع من الدول الاستعمارية، وفي خضم حرب السويس سنة 1956، انقضت اسرائيل على الجزر المصرية لاحتلالها، لكن حرب السويس انتهت  بانتصار مصر في ظل توازنات دولية معينة، وانسحبت قوات العدوان وظلت هذه الدول تتحين الفرصة لاستعادة سيطرتها على المضيق، فكانت الجزر مرة أخرى شرارة وهدف عدوان حزيران 1967، لتسقط الجزر من جديد تحت الاحتلال، وبقيت هكذا حتى تطبيق اتفاقيات كامب ديفيد سنة 1982 بين مصر واسرائيل، لتعود للسيادة المصرية بالتفاوض ومقابل تنازلات مؤلمه وخطيرة من الجانب المصري… وها هي اليوم تطفو من جديد في قمة الرياض كاستثمار للهوان العربي بعد الحروب في سوريا والعراق واليمن وليبيا.

اليوم يتنازل السيسي عن الجزر للسعودية أي لإسرائيل، مجاناً

إذا جمعنا ما ذكرناه في المقدمة، يمكننا أن نستنتج أن مهندسي دولة اسرائيل ربما أدركوا بشكا متأخر أن الراعي الغربي، كان أكثر حنكة ودهاءً في التركيز جنوبا نحو المضائق والبحار والصحارى الإفريقية والآسيوية، فبعد الهزائم  والفشل في لبنان والعراق والآن في سوريا، اقتنعوا أن شمال فلسطين الذي جعلوه عمقهم الديمغرافي وقوة ارتكازهم الاقتصادي والسياسي، وسداً منيعاً ونواة لتمدد الإمبراطورية الصهيونية الحلم، بل تيقن قادة إسرائيل الآن  بعد صراعات دامت نصف قرن، من خطئهم الاستراتيجي  الذي أثبتته الحروب الفاشلة سابقا وحالياً خاصة على أرض سوريا،  فهذا الشمال أصبح مهددا أكثر حتى من صحراء النقب الخالية،  بعد أن لمسوا قوة الحلف السوري سواء في سوريا أو لبنان، قوة سياسية وعسكرية، وأدركوا  أن البطن الرخوة القابلة للتطويع والقضم والهضم، ليست شمالا كما اعتقدوا بل جنوبا، حيث النفط والمياه والبحار المفتوحة وضعف البنى الاجتماعية والسياسية، بدءا من غزة وصولا إلى القرن الافريقي، ونعتقد أن هذا بالضبط السر الذي جاء به دونالد ترامب الى الرياض لتقويم الخطأ في المشروع الصهيوني وترميمه، والتأشير لمفتاحه السحري الذي جعله محور قمة الرياض أي الجزر الحاكمة في خليج العقبة…

لماذا سيتم تحويل ملكية تيران وصنافير للسعودية؟

يقول العارفون بالجغرافيا والقانون أن المضائق الشرقية، أي التي تفصل جزيرة صنافير عن البر السعودي، لا تصلح كممر للسفن الكبرى لكثافة الشعاب المرجانية وارتفاعها، ما يجعل العمق محدود وغير قابل للملاحة، حيث لا يتجاوز أقصاه  العشرين متراً، أما المضيق الغربي لجزيرة تيران فعمق الممر  أنتربرامز، المحاذي لشرم الشيخ  يبلغ 290 متراً، وهو المستعمل حاليا للملاحة، وبحكم ملكية مصر للجزر فهو مياهٌ إقليمية مصرية لا يمكن المرور عبرها، إلا بإذن القاهرة وتحت إدارتها، وهنا بيت القصيد… بتحويل ملكية الجزر للسعودية؛ يصبح هذا المضيق حدوداً بحريه بين دولتين تتداخل مياههما الإقليمية، ويتحول المضيق والخليج  لمياه دولية تحكمه القوانين الدولية، ولا يمكن لا لمصر ولا للسعودية  ولا حتى اسرائيل، إن استلمت الجزر تسويغا أو شراءً أو استيلاءً، حق التصرف فيه إلا وفق هذه القوانين الدولية.

فهل بعد هذا خيانة أكبر للأمن القومي لكلا الدولتين وباقي الدول العربية؟

ماذا ستجني تل أبيب وواشنطن؟

اسرائيل الصغيرة التي تطمح لبناء إمبراطورتيها، وبعد فشلها في حروبها شمالاً، وعجزها عن حماية نفسها من تداعيات ما يجري في سوريا، ستترك مُرغمة المهمة هناك  للكبار أمريكا والأطلسي، وستبحث عن الدول والشعوب الأكثر ضعفاً، والتي يسهل ابتلاعها والهيمنة عليها…

  • شعوب الخليج مُبتلعة سلفاً وبسهولة، القادم هو الإعلان عن فتح سفارات إسرائيل جهاراً في دول الخليج.
  • سيتمُ ابتلاع الضفة والقطاع،  وسيهجر أهل غزة من جديد نحو سيناء والأردن، تحت فيدراليات وإمارات.
  •  ستباشر تل أبيب فوراً، بعد أن يصبح خليج العقبة مياها دولية مفتوحة، بحفر قناة لربطه بالمتوسط وإزاحة قناة السويس نهائيا من خارطة الممرات الدولية الإجبارية… وقد باشرت بربط كافة الدول المحيطة بتل أبيب، بإرادتها كما طالب ترامب (وقد وافق كل الحضور “الفهيم” في الرياض)…
  • سياسة تجويع وانتشار أمراض وثورات غبية مبرمجة أخرى، وتقسيم المقسم، ستكون ضمن القادم.
  • اليمن المظلوم الصامد، سيكون بؤرة الدمار الذي لن ينتهي، حتى لو فرضت تسويات في باقي البؤر، فإما سحق الحوثيين وهذا شبه مستحيل، أو إبادة الشعب اليمني، حتى يتسنى فتح الممرات لتوسع الدولة الصهيونية…

هذا جزءٌ من خارطة الصهاينة ومهمتهم، أما اللاعب الكبير واشنطن؛ فهي تعمل على خارطة أوسع وأشمل، وستصارع الكبار، وتغلق الطريق أمام  الصينيين والهنود وباقي الآسيويين والأفارقة، الذين بدأوا يعلنون ميلهم للبريكس، فوجود محمية صهيونية قوية على ضفاف البحر الأحمر والقرن الافريقي والجزيرة العربية، يعني عزل العالم الصاعد والطموح عن قلب الحضارات القديمة حول البحر المتوسط وأوروبا، وهو تعويض عن الفشل الى حد الساعة في السيطرة على طريق الحرير الذي حالت دونه روسيا وسوريا وإيران.

بنظرة بسيطة وحسب مركز فيريل؛ ما يقوم به الرئيس المصري السيسي، أسوأ مما قام به الرئيس المصري السابق أنور السادات، ومصر أمامها حلان؛ الانقلاب على السيسي أو انحدارها نحو الأسوأ والأسوأ.

ختاما قمة الرياض، كانت قمة الجانب الواحد الآمر المتآمر، وقد نجحت في تجاوز عقبة المقاومات السياسية والعسكرية شعبياً ورسمياً في الدول النائمة، ونجحت في إعادة مصر لوضع أسوأ بكثير من وضع كامب ديفيد، بالحصار والتجويع والتعطيش والإرهاب، ووضعت أُسساً موضوعية أكثر نجاعة للسيطرة على مقدرات شعوب المنطقة والتحكم في مصائرها لفترة قادمة، وستكون هذه السياسات الأشد وقعاً على الشعب الفلسطيني، الذي سيستعبد بعضه وسيهجر البعض الآخر من جديد، وكذلك الشعب اليمني، الذي سيدفع ضريبة صموده إبادة وحصاراً. لمركز فيريل للدراسات الكاتب التونسي سالم المرزوقي. 05.07.2017

إدارة التحرير مركز فيريل للدراسات ـ برلين

بالنسبة للشعب السوري، سيكون لنا حديثٌ آخر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

three × four =