الرئيسية » اجتماعي » لهذه الأسباب نحتاج إلى العلمانية في سوريا. الدكتورة ميرنا داوود، الولايات المتحدة الأميركية
العلمانية هي الحل. فيريل

لهذه الأسباب نحتاج إلى العلمانية في سوريا. الدكتورة ميرنا داوود، الولايات المتحدة الأميركية

العلمانية ليست الإلحاد وليست دين جديد كما يفهمها البُسطاء ويروّجُ لها رجال الدين، هي: فصل السلطات الدينية عن السلطات السياسية، بحيثُ تُصبح الأنشطة الإنسانية والقرارات السياسية حرّة غير خاضعة لديكتاتورية السلطة الدينية.

تدعو العلمانية للاهتمام بشؤون الإنسان وإعلاء شأنه وتحسين مستوى حياته، وليس حصر كل اهتمامات هذا الإنسان بالحياة الأخرى واليوم الآخر. رجال الدين عبر التاريخ، يحصرون تفكير الشخص التابع لهم بالآخرة كي يسهلَ عليهم السيطرة على عقول العامة، فالعامة تمضي حياتها في الفقر والجهل والحاجة بانتظار الجنة، بينما يعيشُ رجال الدين هذه الدنيا وكأنهم في الجنة!!

التعبير العالمي هو: Secularism مشتقٌ من اليونانية وتعني (الشعب) وموجودة حتى في اللغة السريانية أيضاً، فكلمة ܥܠܡܐ (نقحرة: عَلما) تعني الانتماء إلى الدنيا والعالم بعيداً عن الروحانيات والماورائيات.

لا توجد دولة عربية علمانية، بما في ذلك سوريا، وتعبير (لا طائفية) الذي استخدمَ في مؤتمر سوتشي الأخير، تعبيرٌ يؤكد ذلك وهروبٌ مفضوح من العلمانية، بل يوحي بالطائفية…

إلى التفاصيل.

تتمحور أحاديثنا اليوم حول كلمة العلمانية، على خلفية ما تشهده بلداننا المفككة برياح الربيع الأصولي التكفيري. كما أنّ مفهوم التعتيم الذي يتم إنتاجه وتسويقه لخدمة مصالح وأهداف سياسية، هو الجهل الاجتماعي الذي تفرضه بعض الهيئات الدينية عمداً، للتضليل المقصود عن جوهر العلمانية الصحيح وربطه بالكفر والإلحاد. جلب هذا الشتاء الأصولي الويلات على أنحاء متعددة من بلداننا العربية، التي شهدت صراعاتٍ عرقية ومذهبية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وخصوصاً في سوريا والعراق، حيث وصل العنف الطائفي إلى مستويات مدمرة، تمخضت عنها أزمات إنسانية لا تعد ولا تحصى، كانت تبدو في ظاهرها وكأنها صراعات طائفية مذهبية، أما جوهرها فكان يخفي مشاريعَ سياسية هدفها تفتيت المنطقة والاستيلاء على منابع النفط والغاز فيها. وأصبحت تلك البلدان ساحات معارك تشن دولٌ عديدة حروباً فيها بالوكالة.

 

ما هي حقيقة العلمانية؟

يهدفُ التعتيم على مصطلح العلمانية بالدرجة الأولى إلى السيطرة على السلطة السياسية، من قبل جماعات تكفيرية تجاوزها الزمن، ولا يمكنها فرض أهدافها إلا بنشر الجهل بمفهوم العلمانية بين البسطاء من الناس، هؤلاء البسطاء يعتقدون أنّ العلمانية هي الكفر المبين!! كانت الحركات الأصولية بجميع تنظيماتها، من أوائل المستفيدين من التعتيم على مفهوم العلمانية وتشويه صورتها بين العامة، خاصة ذوي الثقافة المحدودة، حيث تم وضعها في إطار من الإلحاد والكفر وكأنها ديانة أخرى، بغرض تمرير شعار (الإسلام هو الحل).

العلمانية هي الحل. فيريل

العلمانية ببساطة هي: أسلوب فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، أي فصل الدين عن الدولة بمفهومها العام، هذ الدولة التي ينبغي أن حيادية تجاه كافة الأديان والمذاهب، وتتجنب فرض أية عقيدة دينية، أو مذهب، وهذا ما تدعو إليه العلمانية في جوهرها: حرية الاعتقاد والتعبير، فالعلمانية تضمن حماية الحريات الدينية على جميع الأصعدة، كذلك حريات العبادة، بالإضافة إلى تشكيل التنظيمات السياسية والنقابية في داخل المجتمع المدني.

  يمكن لأي إنسان أن يكون متديناً وعلمانياً في نفس الوقت

نعم؛ يمكن لأي إنسان أن يكون متديناً وعلمانياً في نفس الوقت، بمعنى أن يمارس عبادته الخاصة ولكن لا يفرض على غيره ممارسة الشعائر والعبادات ذاتها، بل يؤمن بأن لكل إنسان الحق في أن يعتقد ما يشاء ويتبنى ما يشاء من عبادات. إنّ ما يجهله البعض هو أن كلمة العلمانية تنسب الى العالم، ولا علاقة لها بالعلم، فهي تعني الفصل الديني عن الأمور الدنيوية، حيث تدار الشؤون الحياتية من خلال مؤسسات مدنية، عوضاً عن المؤسسات الدينية التي تنظر إلى كل ما حولها من خلال الدين.

يظن البعض عن جهل متعمد، أنّ إقامة دور للسينما وإحياء حفلات موسيقية والسماح للمرأة بقيادة السيارة بأنها العلمانية المطلقة، وهذا هو الغباء بعينه، ففي البلدان التي لا تصان فيها الحريات الفردية في ممارسة الشعائر الدينية، ولا تصان فيها الأديان والطوائف والمذاهب المختلفة، لا يمكن ان تتحول إلى دول علمانية.

بغض النظر عن كل ما ذكرته سابقاً، فإن بلداننا التي تشهد اليوم كل هذه الأزمات والصراعات، وأتحدث حصريا عن سوريا، فإن العلمانية هي مطلب أساسي وحاجة ماسة للخروج من هذا المأزق التاريخي، لأن الدولة العلمانية تصبح هي الضامن الأوحد والمحايد للسلم الأهلي، وتضع جميع الأديان والمذاهب في كفة واحدة.




إزالة كلمة العلمانية في مؤتمر سوتشي

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن كتابة الدستور الجديد لسوريا ما بعد الحرب. هذه خطوة ممتازة إن تمت بأيدٍ سورية محضة، تؤمن بالمواطنة الحقة داخل المجتمع السوري وإحلال الدولة المدنية. ولكن على خلفية مؤتمر سوتشي مؤخراً لم نرَ إشارة واضحة إلى الدولة العلمانية، بل استعيض عنها بدولة (لا طائفية) وهذا يحمل في طياته الكثير من علامات الاستفهام والتعجب. ففي دولة مثل سوريا تتعدد فيها الطوائف والمذاهب والأعراق، لا حل إلا بالعلمانية، وكل كلام لا يفضي إلى هذه النتيجة، لا يمكن ان يتم التعويل عليه، بل ستكون له عواقب استراتيجية عميقة على هذا البلد والمنطقة والمجتمع الدولي في المستقبل.

هناك العديد من الشكوك المرتبطة بمستقبل سوريا وشعبها في ضوء الآثار المدمرة لهذه الحرب، وتأثيرها يرجح أن يستمرَ لأجيال عديدة، لكننا نبقى نعوّل اليوم على النخب المثقفة الواعية ضمن النسيج السوري، لترجيح كفة التيار العلماني على كفة التيار الديني وكسر هذا الاحتقان المُزمن الذي يعاني منه شعبنا اليوم . 

الدكتورة ميرنا داوود: أستاذة جامعية سورية مُحاضرة في جامعات الولايات المتحدة الأميركية. موقع اليوم الثالث. إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات. 23.02.2018

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

eight + seven =