الرئيسية » أبحاث » أهمية معركة الغوطة والسيناريوهات المُحتملة، هل تغير الملامح السياسية في سوريا؟ نسرين عبود، باريس

أهمية معركة الغوطة والسيناريوهات المُحتملة، هل تغير الملامح السياسية في سوريا؟ نسرين عبود، باريس

عادت الغوطة الشرقية لتكتسب أهمية على شاشات الإعلام الغربي والعربي، فكثرت الأصوات المنادية بإيقاف الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش السوري مترافقاً بغطاء جوي روسي، السؤال المطروح: ما هي الأهمية الاستراتيجية التي تكتسبها الغوطة الشرقية بالنسبة لجميع الأطراف الداخلية والخارجية ؟

للإجابة على سؤالنا هذا لابد لنا من تحديد موقع الغوطة الشرقية بالنسبة للعاصمة دمشق وما تشكله الغوطة من أهمية سياسية واستراتيجية بالنسبة لدمشق.

 أهمية الغوطة بالنسبة لجميع الأطراف

تقع الغوطة  في محيط مدينة دمشق، حيث تحيط بقسميها الشرقي والغربي مدينة دمشق كما تقع على تماس مع حدود العاصمة جنوباً، والغوطة أرض سهلية زراعية خصبة تقسم إلى قسمين:

الغوطة الغربية: منطقة سهلية محاطة بالجبال من الغرب والجنوب الغربي، تبدأ من مضيق ربوة دمشق، وتمتد جنوباً وشرقاً إلى مناطق محيط المزة وكفر سوسة وداريا ومعضمية الشام والكسوة، وتبلغ مساحتها حوالي 120كم مربع، وقد تراجعت مساحتها بسبب العمران. هذه المنطقة خاضعة لسيطرة الدولة باستثناء عقربا، بيت سحم، ببيلا، ويلدا، الخاضعة لسيطرة مجموعات إرهابية مسلحة كالنصرة، والحجر الأسود ومخيم اليرموك الخاضعة لسيطرة داعش والنصرة.

الغوطة الشرقية: تعتبرُ دوما أكبر مدنها، وتمتد الغوطة من سفوح القلمون الأدنى شمالاً، إلى منطقة مطار دمشق الدولي شرقاً، ومنطقة السيدة زينب جنوباً. وتضم عشرات القرى مثل النشابية وزملكا والمليحة وعربين وكفر بطنا ومسرابا وحرستا.

وتبلغ مساحة الغوطة الشرقية 280 كلم مربع موزعة بين بساتين ومناطق سكنية. خضعت الغوطة لجماعات مسلحة إسلامية متشددة، مثل جبهة النصرة  وفيلق الرحمن في الجنوب الغربي، وجيش الإسلام المتمركز في دوما، وحركة أحرار الشام المتحالفة مع جبهة النصرة في حرستا، بينما يسيطر فيلق الرحمن ( فصيل مسلح تشكل في عام 2013 من نواته الأولى لواء البراء” التابع للجيش الحر) على القطاع الأوسط من الغوطة الشرقية التي تضم حمورية وعربين، كما يسيطر على أجزاء من حي جوبر في شرق العاصمة دمشق.

تسيطر هيئة تحرير الشام التي أعلن عن إنشائها  في 2017 (تكتل لفصائل وألوية مسلحة تتبنى الفكر القاعدي المتشدد كجبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) ولواء الحق، وجبهة أنصار الدين، الخ) فيها عدد كبير من الأجانب يقوم جل عملها على التفخيخ والتفجير والعمليات الانتحارية) تنتشر في عربين وكفر بطنا وجوبر.

الغوطة الشرقية تعد من بين أولى المناطق التي خرجت في مظاهرات مناهضة للدولة السورية منذ عام 2011 في دوما وحرستا.

الأهمية الاستراتيجية للغوطة بالنسبة للدولة السورية

  1. تعتبر الغوطة الشرقية بوابة دمشق من الشرق، وهي بمثابة المدخل لكافة المناطق المحيطة بالعاصمة لقربها من مطار دمشق الدولي لذلك السيطرة عليها يعني تأمين المطار والمدينة دمشق في آنً معاً.
  2. تعتبر الغوطة بمثابة سلة الغذاء بالنسبة للعاصمة دمشق، نظراً لخصوبة أراضيها ومرور عدة فروع من نهر بردى فيها، حيث تؤمن حاجة العاصمة من الخضار والفواكه والألبان والأجبان.
  3. أقامت الدولة عدة مشاريع صناعية في الغوطة الشرقية، بالإضافة لوجود عدة قواعد ومناطق عسكرية كإدارة المركبات القريبة من حرستا، والرحبة العسكرية وفوج الشيفونية…
  4. تكتسب الغوطة أهمية سياحية ودينية، نظراً لوجود العديد من المعالم السياحية والأثرية فيها، والتي تعود بعضها للعصر الحجري، كذلك الكنيس اليهودي في جوبر، ومرقد السيدة زينب في الجهة الشرقية الجنوبية للغوطة على بعد 7 كم من دمشق، الذي يؤمه الكثير من الحجاج من الإيرانيين والعراقيين والبحرينين والباكستانيين،  ويكتسب المقام فضلاً عن أهميته الدينية، أهمية تاريخية، وقد كان استهدف من قبل الفصائل المسلحة أكثر من مرة وبالتالي السيطرة على الغوطة يعني تأمين حياة الزوار أيضاً والحفاظ على المقام كذلك كمعلم سياحي ديني وتراثي.
  5. السيطرة على الغوطة الشرقية تعني تأمين العاصمة دمشق من قذائف الهاون التي تستهدف بها المجموعات المسلحة المتواجدة في الغوطة، سكانَ دمشق.

 

لماذا تكتسب الغوطة أهمية بالنسبة للمجموعات المسلحة والدول الداعمة لها؟

رغم وضع الغوطة الشرقية في مناطق خفض التصعيد التي أوجدتها التفاهمات التركية الروسية والإيرانية، إلا أنها لطالما شهدت عمليات إطلاق نار واقتتال بين المجموعات المسلحة المتواجدة هناك، وبين هذه المجموعات والجيش السوري من جهة أخرى، حيث حاولت هذه المجموعات أكثر من مرة الهجوم على إدارة المركبات القريبة من حرستا  وعربين كان آخرها في نوفمبر عام 2017 مما دفع الجيش السوري  لإرسال تعزيزات كثيرة إلى المنطقة.

تتزامن الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية بتصعيد إعلامي غير مسبوق، يذكر بالحملة  التي رصدتها وسائل الإعلام الغربية والعربية  في حلب الشرقية، فلماذا هذا الاهتمام بالغوطة الشرقية بالنسبة للدول المنخرطة في دعم الجماعات المسلحة هناك من جهة ؟ وما الذي تشكله الغوطة بالنسبة للفواعل الخارجية والداخلية في حال تمت السيطرة النهائية عليها من قبل الجيش السوري وروسيا وحلفائهم؟

  • تتزامن الحملة العسكرية على الغوطة مع حملة عسكرية تركية في الشمال السوري، وبالتالي فإن كلا الحملتين تعتبران نتاج تفاهمات مرحلية بين الفواعل الداخلية والخارجية؛ (روسيا وسوريا وإيران من جهة، وبين الأتراك والأمريكان من جهة أخرى)
  • تكتسب الغوطة أهمية سياسية كورقة تفاوضية لجنيف، سواء بالنسبة للمجموعات المسلحة في محيط الغوطة المدعومة تركياً وسعودياً وقطرياً وأميركياً أو بالنسبة لسوريا وحلفائها.
  • تكتسب الغوطة أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل وأمريكا، خاصةً فيما يتعلق بمعركة الجنوب السوري، لذلك إنهاء سيطرة الجماعات المسلحة هناك سيجهض كافة المخططات الأميركية والإسرائيلية وخاصةً التي تستهدف أيضاً العاصمة دمشق.
  • السيطرة على الغوطة وطرد المسلحين منها يعني إفشال مخططات أميركا وإسرائيل فيما يتعلق بادعاءاتهم باستهداف إيران وحزب الله عبر الممر البري ( من الغوطة إلى القلمون)، الذي تحاول إيران تأمينه.
  • تسبق حملة الغوطة إعلامياً وعسكرياً، اجتماعاً ثلاثياً مرتقباً في “إستنبول”، وبالتالي الانتهاء من الغوطة وكسب المعركة بالنسبة لروسيا وإيران يعني كسب الطرف التركي لجانبها مقابل إطلاق يده فيما بعد عفرين للقضاء على الوجود الكردي فيها.
  • حملة التصعيد العسكري بالتزامن مع التصعيد الإعلامي، تنبئ بأن قواعد الصراع والاشتباك قد تتغير لتنحى منحى أكثر دمويةً، في حال خسرت الدول الداعمة للجماعات المسلحة الغوطة، أو ربما السيطرة على الغوطة الشرقية وطرد المسلحين منها سيرسم ملامح سياسية جديدة في الصراع على سوريا.

 

السيناريوهات المُحتملة بعد الغوطة الشرقية؟

رغم صدور قرار الأمم المتحدة رقم 2041 والذي نص على هدنة إنسانية في الغوطة الشرقية تترافق مع وقف لإطلاق النار لمدة 5  ساعات يومياً مع تسهيل وصول المساعدات الإنسانية للمدينين والسماح لهم بالخروج، لم تلتزم جميع الأطراف بهذه الهدنة وظلت رحى المعارك الطاحنة تخيم على أي هدنة أو وقف لإطلاق النار، رغم خروج   الكثير من المدنيين  من الغوطة عبر ممرات كان الجيش السوري هو الضامن الوحيد لخروجهم الآمن، بعد أن استخدمت الجماعات المسلحة المدينين كدروع بشرية في  الغوطة، ترافق خروج المدنيين هذا مع استمرار  الحملة العسكرية على الغوطة الشرقية  التي بدأت في 18 من شهر فبراير  والتي بينت عزم سوريا  وحليفتها روسيا على المضي قدماً لتحرير الغوطة، وإخلائها من الفصائل المسلحة، وسمعنا تصريحاتٍ كثيرة في الإعلام الغربي والعربي تنادي بوقف هذه الحملة على الغوطة حمايةً لأرواح المدنيين، والحقيقة هي أن الغوطة تكتسب كما كنّا قد ذكرنا أهمية كبيرة في الصراع الدولي على  سوريا، ولا تعني الغوطة الشرقية الدول كفاعل خارجي مؤثر في الملف السوري إلاّ  باعتبار الغوطة ورقة تفاوضية تستخدمها وقت الحاجة لفرض تسويات معينة تخدم مصالحها في مآلات الحرب السورية، مثلما شكلت الغوطة بالنسبة للدولة وروسيا ورقة رابحة في منافسة الدور الأميركي والغربي الأوروبي الداعم للجماعات المسلحة المتواجدة هناك، والشيء بالشيء يذكر هو: أننا لم نشهد هذه الحملة الإعلامية ضد التدخل التركي في عفرين بحجة الدفاع عن المدينين وإنقاذهم، وذلك نظراً لوجود ضوء أخضر روسي أميركي أعطى للتدخل التركي شرعية على الأقل إعلامياً، والسؤال الذي نطرحه هنا هو ماهي مآلات معركة الغوطة الشرقية وما هي  السناريوهات المُحتملة التي سنشهدها بعد الغوطة الشرقية؟

السيناريو الأول: سيناريو حلب

ربما لا نستغرب تشبيه الموفد الأممي إلى سوريا دي مستورا بأن ما يجري في الغوطة يشبه بشكل كبير ما جرى في “حلب الشرقية” فهل يتحقق  فعلاً سيناريو حلب الشرقية في الغوطة؟ للإجابة على هذا السؤال لابد لنا من إجراء مقارنة بين الغوطة وحلب من النواحي التالية :

  1. الطبيعة الجغرافية والمساحة: تمتد الغوطة الشرقية التي كانت تحت سيطرة الجماعات المسلحة تجاوزت 110 كلم مربع، في حين اقتصرت  أحياء حلب الشرقية على مساحة 3 كم مربع فقط، مما سهل سيطرة الجيش السوري عليها، بينما مساحة الغوطة وخاصةً المترامية بين بلدات ومدن هنا وهناك هذا بالإضافة إلى المساحات الزراعية الواسعة والمفتوحة، تجعل من الصعوبة بمكان سيطرة الجيش على البلدات والمدن من جهة والأراضي الزراعية من جهة أخرى، وبالتالي المعركة لم تكن بهذه السهولة التي تمت في حلب الشرقية.
  2. لا يوجد تشابه بين الغوطة الشرقية وشرقي حلب من ناحية الحدود وخطوط التماس مع دول إقليمية، فالغوطة الشرقية ليس لها حدود مع دول إقليمية، بل هي محيطة فقط بالعاصمة دمشق، بينما حلب كان لها حدود شمالية مع تركيا، أدت إلى حصول تفاهمات روسية تركية، أفضت إلى تسهيل سيطرة الجيش وروسيا على أحياء حلب الشرقية، وبالتالي عدم وجود حدود للغوطة مع دول إقليمية سوف لن ينتج تفاهمات مرحلية أو مؤقتة، فورقة الغوطة الشرقية هي ورقة تمثل صراعات للفواعل الدولية على الأرض السورية، وبالتالي سوف يكون من الصعوبة بمكان وزمان تسليم جميع الفواعل الدولية المؤثرة في ملف الغوطة بالأمر الواقع والتخلي عن الغوطة الشرقية بسهولة كما تم التنازل عن حلب بسبب تفاهمات وتسويات أدت إلى توقيع مناطق خفض التوتر، رغم وقوع الغوطة الشرقية ضمن هذه المناطق.
  3. تشبه الغوطة الشرقية حلب من ناحية عدد المسلحين إلا أنها لا تشبهها من ناحية عدد السكان، حيث يسكن الغوطة حوالي 400 ألف من المدنيين، وبالتالي صعوبة فصل المدنيين عن المسلحين ستصعب من إمكانية تطبيق سيناريو حلب عليها.
  4. قد تشبه الغوطة  حلب فيما يتعلق باستخدام الكيماوي وبالتالي التصعيد إعلامياً مجدداً بغية كسب الوقت وإطالة أمد الحرب، أو لتحقيق ضربات استباقية من قبل دول كفرنسا وبريطانيا وأمريكا بغية الضغط على سوريا وروسيا معاً تماماً مثلما حصل في “خان شيخون” وادعاءات استخدام الكيماوي وتراشق  الاتهامات بين طرفي النزاع.

لذلك فإن تطبيق سيناريو حلب لن يكون بهذه السهولة لا لوجستياً ولا سياسياً.

السيناريو الثاني سيطرة الجيش على الغوطة الشرقية

سيكون هناك سيناريو محتمل لمواجهة أميركية روسية على أرض سوريا بسبب الغوطة الشرقية، كيف؟

إمكانيات تحقيق هذا السيناريو : استمرار روسيا بدعمها للحملة العسكرية على الغوطة الشرقية والتي يمكن لها بأن تكون في صالح الجيش السوري وحليفته روسيا ستدفعان بالأميركي إلى استهداف مواقع للجيش السوري كما فعل عندما حررت حلب حيث قام الأميركي باستهداف مطار الشعيرات في ريف حمص، كرد انتقامي على تحرير الغوطة وخروج المسلحين المدعومين أميركياً وخليجياً وأوروبياً، ولكن الأميركي لن يكتفي فقط في استهداف مواقع سورية حكومية لكي يرد اعتباره السياسي والعسكري، بل ربما من المحتمل أن يلجأ إلى مواجهة عسكرية مع روسيا عبر استهداف مواقع عسكرية روسية مثلا فعل في دير الزور والتي أودت بحياة عشرات الجنود المرتبطين بالقوات الخاصة الروسية (الفاينغر) وقد تقوم الولايات المتحدة الأميركية باستهداف قاعدة الحميميم العسكرية الروسية.

سيناريو المواجهة بين الروسي والأميركي سيتزامن مع حملة أوروبية لإعادة فتح ملفات عالقة بين أوروبا وروسيا على خلفية الغوطة الشرقية، وهذا ما شهدناه من الحملة البريطانية على روسيا حول ادعاءات الأولى باستخدام روسيا لغار الأعصاب (السارين) في تسميم الجاسوس  الروسي المزدوج، وإعلان “تريزا ماي” عزمها مقاطعة بريطانيا لمونديال روسيا 2018 ليس إلا محاولة من بريطانيا للضغط على روسيا سورياً كمحاولة لفتح ملفات تشوش من ناحية أولى على الانتخابات الروسية، ومن ناحية أخرى تؤدي إلى الضغط على روسيا للتخلي عن حملتها على الغوطة الشرقية.

فرنسا هي الأخرى ليست ببعيدة عن هذه المواجهة مع روسيا، وخاصةً في حال سقوط الغوطة الشرقية، قد تلجأ هي أيضاً إلى إعادة فتح الملف الأوكراني وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا الاتحادية، كنوع أيضاً من الضغط على روسيا ولكسب حصة لها في الملف السوري وخاصةً في حال تحرير الغوطة، تستطيع فرنسا في حال لجأت على التحريض كما فعلت بريطانيا بأن تكسب دوراً لها في تسويات إعادة الأعمار في سورية بعد انتهاء الحرب.

وبالتالي فإن سيناريو تحرير الغوطة واحتمال المواجهة الأوروبية الروسية من جهة، والمواجهة الأميركية السورية الروسية من جهة أخرى سيزيد من احتمال تعقيد الحرب السورية وخاصةً صراع الدول وتنافسها على سوريا، سوف يؤخر من إمكانية الحل السياسي على المدى القريب، نظراً لما تشكله الغوطة الشرقية كورقة مؤثرة في موازين السياسية الدولية على الأرض السورية.

السيناريو الثالث: إطالة أمد الحرب في الغوطة الشرقية

من خلال استنزاف الجيش وقيام الجماعات المسلحة بالتوحد بغية عدم تسليم الغوطة والاحتفاظ بها كورقة سياسية تفاوضية لاستخدامها  في مؤتمرات الحل السياسي  كجنيف، وبالتالي قد نشهد عملية هجوم مضاد تقوم به الفصائل المسلحة على العاصمة دمشق بالتعاون مع بعض الدول الإقليمية والدولية، بهدف ضرب مواقع عسكرية وحكومية لحفظ ماء وجهها وخاصةً بعد تقدم الجيش السوري وسيطرته على 80٪ من مساحة الغوطة الشرقية، وهذا الهجوم المضاد قد يكون أيضاً من خلال استهداف مناطق مدنية عبر التفجير بالسيارات المفخخة أو استهداف مناطق أمنية في محيط العاصمة دمشق من خلال انتحاريين نظراً لصعوبة الوصول بالسيارات المفخخة إلى هناك، أو قد نشهد تحالفات بين الفصائل المسلحة المقاتلة في محيط الغوطة الشرقية، بغية رص صفوفها وتشكيل جبهة واحدة،  مع أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً وخاصةً بسبب التنافس فيما بينها، وبسبب تعدد الجهات الداعمة لها إقليمياً وتنافسها فيما بينها على تحقيق مصالحها وأجنداتها في سوريا.

من خلال ما تقدم نلاحظ بأن معركة الغوطة لن تكون كسابقاتها نظراً لتعدد الأطراف المتدخلة فيها من جهة، وبسبب تضارب المصالح من جهة أخرى، ونظراً لأهمية معركة الغوطة  فربما بانتهاء هذه المعركة سيتم رسم  ملامح سوريا السياسية والمستقبلية في حال تم التوصل إلى تسوية دولية ما، وَمِمَّا لاشك فيه هو أن أياً كان الطرف المنتصر في هذه المعركة فلن يستطيع الانتصار فيها لولا  التوصل إلى تفاهمات قد تكون مرحلية للبعض ومصيرية للبعض الآخر، فسيطرة الجيش التركي والقوات الحليفة له من “الجيش الحر” على عفرين،  ليست إلاّ جزءاً من هذه التفاهمات والتحالفات المرحلية، قد يكون هناك نوع من المقايضات قد تمت بين تركيا وروسيا وإيران، فتركيا أطلقت يدها في عفرين تحت مسمع ومرأى من الدول الشريكة لها  في حلف الناتو وكما أن الولايات المتحدة التزمت الصمت على اجتياح الجيش التركي لعفرين، وممكن لنا الاستنتاج بأن عفرين مقابل الغوطة الشرقية، وبالتالي ربما سيكون من الصعوبة بمكان كما قلنا تنفيذ سيناريو حلب بحذافيره على الغوطة الشرقية، ولكن تسارع الأحداث سواء في الغوطة أو في عفرين تنذر بأن الغوطة الشرقية قاب قوسين أو أدنى من السقوط وخاصةً بعد خروج أكثر من80 ٪ من أراضيها من سيطرة الجماعات الجهادية والمسلحة الإسلامية، إلاّ أننا نستطيع الجزم بأن ملامح سوريا ما قبل الغوطة هي مختلفة عما بعدها، والغد سيخبرنا بأن معركة الغوطة كانت مجرد ورقة تفاوضية للأطراف الدولية التي راهنت على ثوارها الجهاديين والإسلاميين في محيط الغوطة الشرقية، والذين استخدمتهم كبيادق لتهديد العاصمة دمشق وزعزعة الاستقرار هناك ومن يدفع الثمن هو دائماً الشعب السوري الذي كان للأسف وقودًا لجميع الأطراف المتدخلة في الحرب السورية.  

 الكاتبة: نسرين عبود، باريس. باحثة في العلاقات الدولية من جامعة عبد الملك السعدي، طنجة / المغرب. إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات. 19.03.2018   

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

16 − 1 =